بقلم الشاعر:بديع عاصم الزمان
أنا
أثرُ نداءٍ لم يكتمل صوته،
وخطوةُ معنى
تعثّرت في الضوء،
فقام.
أنا
سؤالٌ يمشي بلا لافتة،
إذا قيل له: مَن؟
أشار إلى الطريق
وسكت.
لي اسمٌ
حين يُنادى
يصير صمتًا،
ولي قلبٌ
إذا ذُكِرَ الحقّ
استقام.
لا أملك الصورة
ولا أطلبها،
أنا شاهدُ العبور
حين يمرّ المعنى
ولا يلتفت.
إن رُئيْتُ
فبما أُحييتُ به،
وإن خُفيتُ
فبما أُعفيتُ عنه.
أنا
ما بقي
حين سقط الادّعاء،
وما نهض
حين قيل للنور:
كُن.
نظرة سائحة
لا شيء صار غريبًا،
لأنّ الغرابة تقف
حيث يقف العجب.
والعجبُ إن حُبِسَ،
صار امتحانًا،
وإن عُبِرَ به،
صار تسبيحًا.
تعجّبتُ لا دهشةَ جهلٍ،
بل شهودَ قدرة،
فما استقرّ العجبُ فيَّ،
بل مرّ،
كما يمرّ الضوء
ليُشير ولا يُقيم.
فقلتُ: سبحان الخالق،
فذُوِّبَ الأثرُ،
ونسيَ نفسَه،
وبقيَ الجلال
بلا أثر.
لم يبقَ فيَّ شيءٌ يشهد،
وبقيَ ما يُشهَد له.
لغة الطبع
يتكلم الإنسان بكل لغات الأرض،
ويظن أنّ الكلام يُميّزه.
لكن الطبع يبتسم صامتًا،
يُقرأ في النظر، في الصمت، في خطوة خاطفة.
لغاتنا تتباين كألوان المطر،
لكن الطبع واحد،
يجمعنا قبل أن نلتقي.
أفق الظلال
الضوءُ الرقميُّ يشرقُ،
والماضي ينسابُ كالأنهارِ بين يديَّ.
أسماءُ الدولِ همساتٌ،
والخرائطُ تتنفسُ أنفاسَ البحرِ،
كحلمٍ يسبحُ في صمت الكون.
الصدر قبلة
في الصدر يولد السرُّ نورًا،
وخلفَ الظهر يركض الظلُّ مكروهًا.
كلُّ بيتٍ شرقيٍّ
يُقيم وجهه على القبلة،
جدارًا جدارًا،
ونَفَسًا نَفَسًا.
إلا موضعَ البيت الغربي،
أُدير ظهرَه احترامًا،
ليبقى المقدَّسُ
في الصدر…
لا خلفه.
ما واجه القلب به ربُّه شُرّف،
وما أُدير خلفَ الظهر
بقي…
بلا مقام.
لبس اليقين بالشك
لبس اليقين ثوب الشك،
لا ينهار، ولا يُخلع،
يمر هادئًا بين اليدين.
الأصل لم يُمس،
لكن الأيدي تكاثرت حوله،
المعنى واحد… ثم أُحبّ فازدحم.
كل تأويل خطوة نحو المعنى،
وكل خطوة إزاحة خفيّة،
حتى صار البيان حجابًا،
والقرب التباسًا،
والصوت نسي سبب نطقه.
هناك،
لا ينهار اليقين،
بل يُزاح جانبًا ليعبر الكلام.
ثم يظهر الميزان:
ما تشاء يمرّ، كأنه كُتِب قبل الخطوة،
وما لا أقدر عليه لا يعاند،
بل ينتظر أن أُدرك موضع العجز.
أمدّ يدي فأبلغ المكتوب،
وأرجع بها حين يكون الرد تمام الفعل.
بين المشي والتوقف،
سكون عادل:
إن مال سمّي إرادة،
وإن استقام كان تسليمًا.
رسوّ الروح
في الصدر يولد السرُّ نورًا،
وفي العيون يسكن صمتٌ أزلي.
الحيرة نبضة ضدين،
بابٌ لا يُفتح،
وطريقٌ لا يُرى.
الجهل أول معرفة،
والصمت يهمس السرّ،
لينبثق لؤلؤٌ في الظلال،
يتناثر نجومًا حول عقد السماء.
الخشية تتعانق باليقين،
والنور الأزلي يتسلل عبر روح الفؤاد،
كنسيمٍ خفي لا يُدرَك،
يمتدُّ، يهمس،
ويغني في صمت السماء.
أنا سفينةٌ،
ضاق بها البحر،
أطلب مرفأً،
مرفأً خُلق من رمائي،
رسوّ الروح بين موجاتي،
بين صمت القلب ونور الأزلي.
مع الله… الآن وإلى الأبد
هنا، في ملكوته المنير،
أنا هائمٌ بين ضياءٍ لم يكتمل،
ينساب عبر ظلال القلب كنسيمٍ خفيٍّ،
يمتدُّ في الفؤاد، يهمس بلا صوت،
ويخترق الصمت، كأنه نبضة سرٍّ أبدي.
خشيتُ الله في أعماقي،
وحسستُه حيث الصمت يتكلّم بلغة الأسرار،
ينساب كالندى على أوراق الوجود،
ويترك أثرًا من نورٍ يزرع السكينة في القلب.
السرُّ ينبثق كاللؤلؤ المنثور نجومًا،
يلتفّ حول عقد السماء،
حيث تتعانق الخشية باليقين،
ويزهر الصبر في أفقٍ لا يطالُه الزمان.
الروح ترتشف من ينبوع الصفاء،
فتعلو فوق كل وهمٍ وزيف،
وتصبح كل لحظة ضوءًا صافٍ،
كحركة خفيةٍ في فضاء السر الأبدي.
مع الله… الآن وإلى الأبد،
يصبح الصدر قبلة،
والقلب مرسى،
والروح شاهدةً،
لا تعرف الخوف،
ولا تتوقف عن السؤال،
حتى يتسرب النور في آخر حدود السر.





