كيف يغير رمضان سلوك الإنسان
بقلم الشاعر : جمال الشلالدة
حين
يقترب شهر رمضان لا يتبدل التقويم وحده بل يتبدل شيء خفي في أعماق الإنسان
كأن القلب يتهيأ لرحلة مختلفة رحلة لا تقاس بالمسافات بل بما يقطعه
الإنسان في داخله من طريق نحو الصفاء
رمضان
ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب بل هو مدرسة روحية هادئة تتعلم فيها
النفس معنى السيطرة على الرغبات ففي الأيام العادية قد يستجيب الإنسان لما
تشتهيه نفسه دون تفكير طويل لكن الصيام يعلمه أن يتوقف قليلا وأن ينظر إلى
رغباته بعين الوعي فيدرك أن في داخله قوة قادرة على التوازن والسمو
وحين
يجوع الجسد تستيقظ الروح فيشعر الإنسان بأن في داخله قدرة على الصبر لم
يكن يظن أنها موجودة ويكتشف أن الإرادة التي بداخله أقوى مما اعتاد أن
يعتقد
الصائم
يتعلم أن يراقب نفسه قبل أن يراقبه الناس فقد يستطيع الإنسان أن يبتعد عن
أعين الآخرين لكنه لا يستطيع أن يبتعد عن ضميره حين يتذكر أن الصيام عبادة
خالصة بينه وبين الله
وهكذا يبدأ التغيير الحقيقي من الداخل حيث تهدأ النفس ويصبح الإنسان أكثر انتباها لما يقول ويفعل
في
رمضان يتعلم اللسان الصمت عن الأذى وتتعلم الكلمات أن تمر عبر ميزان القلب
قبل أن تخرج فلا مكان للغضب السريع ولا للخصام الذي يسرق صفاء الأيام
يتذكر الإنسان أن الصيام ليس جوعا فحسب بل أخلاق وسلوك وسمو فيحاول أن يكون أكثر حلما وأكثر تسامحا وأكثر قدرة على العفو
ومع مرور الأيام يلين القلب شيئا فشيئا وتصبح الرحمة أقرب إلى النفس من القسوة
وحين
يجلس الناس حول مائدة الإفطار يشعر الإنسان أن النعمة التي بين يديه ليست
أمرا عاديا فلقمة الخبز تصبح رسالة شكر وكوب الماء بعد العطش يتحول إلى درس
عميق في الامتنان
ومن هنا يبدأ الشعور بالآخرين
فالجوع
الذي يعيشه الصائم لساعات طويلة يجعله أكثر فهما لمن يعيشون هذا الشعور كل
يوم فتفتح الرحمة أبوابها في القلب ويمتد الكف بالعطاء دون تردد
ولهذا
يكثر الخير في رمضان حيث يتسابق الناس إلى الصدقة وإلى إطعام المحتاجين
وإلى مد جسور المودة بين القلوب وكأن هذا الشهر يذكر الجميع بأن الإنسان لا
يعيش لنفسه وحدها
وفي
ليالي رمضان يتغير إيقاع الحياة فيهدأ الضجيج قليلا وترتفع الأصوات بالذكر
والدعاء ويجد الإنسان لحظات يختلي فيها بنفسه بعيدا عن صخب الأيام
هناك في هدوء الليل يراجع الإنسان حياته ويتأمل ما مضى من أيامه فيتذكر أخطاءه ويتطلع إلى ما يمكن أن يكون أفضل
وفي تلك اللحظات تنفتح في القلب أبواب الأمل فيدرك الإنسان أن التغيير ممكن وأن البداية الجديدة ليست بعيدة
وربما كانت أعظم هدية يمنحها رمضان للإنسان هي هذا الشعور العميق بأن القلب قادر دائما على أن يبدأ من جديد
ومع اقتراب نهاية الشهر يدرك الإنسان أن ما تغير في داخله لم يكن عابرا بل كان بذرة صغيرة زرعت في أعماق روحه
فإن أحسن رعايتها بقيت حية بعد رمضان ونمت في أيامه القادمة
وهكذا
يرحل الشهر الكريم لكن أثره يبقى في الصبر الذي تعلمه الإنسان وفي الرحمة
التي سكنت قلبه وفي السكينة التي عرفت طريقها إلى روحه
ويبقى
رمضان رسالة متجددة تقول للإنسان إن التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل وإن
القلب إذا تعلم الصيام يوما استطاع أن يصوم عن الخطأ طوال العمر