الجمعة، 27 سبتمبر 2024

السّندباد وتيهُ الانتظار: الاديب : مراد بن بركة

 

السّندباد وتيهُ الانتظار



الاديب : مراد بن بركة

قراءة في القَصّة القصيرة للمبدعة قصّة وشعرا فاتن جبور " ..انتظار "
انتظار..
( قصة قصيرة )
في تلك المحطة القديمة كل شيء يشي بالجمود حتى الزمن صار يراوح الزوايا جيئة وذهابا في قاعة الانتظار لا يزال هناك منذ أمد غير معلوم ; منذ أن توقفت عقارب الساعة المعلقة على الجدار، ولم يكترث أحد لتغيير بطاريتها، فلا أحد يهمه أمر الزمن، كأن الجميع في هذه المدينة يعيش خارج إطار التاريخ،
اكتظت الوجوه شحوبا، واكتحلت النظرات بأخيلة شاردة، تمر بلا جدوى على أجساد أمهات و آباء وزوجات.. تهالكت فوق مقاعد تئن تحت وطأتها، كأجساد الجنود العائدين من حرب خاسرة.
قلت ذات مساء:
بعد هذا الغياب لم يعد للوقت أهمية تذكر، أصبح الليل والنهار سيان، لا جديد تحت الشمس ولا في نور القمر و لا حتى في الحلم..
كل ما أعلمه أن في هذا الانتظار الرهيب تلفظ المشاعر أنفاسها زفرة. زفرة..
وبكل هدوء تدخل في غيبوبة انتظار بعدما ملت من توقع ما لن يقع.
-هل يعود الموتى؟
سألت ذات حين صديقتي، هكذا وبدون مقدمات.
انتفضت وتفلت في تلابيبها وهي تردد.
-أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
فحاولت أن أهدئ من روعها:
-لا تخافي، أنا فقط كدت أفقد الأمل في عودته ؛
- صارت تراودني كوابيس، أراه تارة غريقا يستنجد، فلا يجد منقذا..
- وتارة يظهر أمامي بجلبابه الأبيض كما كان ليلة عرسنا منذ سنوات مضت.
- وأحيانا أتوقع عودته واتخيل طرقاته على الباب.
- ولكن صار التوقع واقعا يجتر الغياب ويلوك التكرار ويجزم بانعدام فرص العودة.
مضت سنوات ؛ لم أعد اضبط عددها بالتحديد ؛ منذ أن غادر في جنح الظلام، بعد سنة واحدة على زواجنا ؛ كان عمر ابني حوالي ثمانية أشهر..
ركب الموج و اعتمر السراب آملا بلوغ ضفة الأحلام واغتنام فرصة العمر،
ثم العودة بعد بضع سنوات ليأخذني وابني.
لكن القدر كان يخط بأنامل دهر جبار
انتهاء زمن المعجزات وحدوث الطفرات، وها هو يعلن بوجهه القبيح سطوة أنفاس الموت تتردد في فجوات صدور مفرغة إلا من الرغبة في الانتظار في تلك القاعة ملاذنا الوحيد في عالمنا الخفي.
خلف أضواء النهار وعيون البشر.
نحن لم نعد نملك إلا الانتظار لأطياف لا ندري أنعدها من الأحياء أم من الأموات..
د. فاتن جبور
صَدَى النّصّ
إنّا في تجاويف هذا النّصّ نسافِرُ قاصّة تنحت القصّة القصيرة بصلْصال بيغماليونيّ طينته الإبداع والسّحر.
لعمِري بين الصّدمة والدّهشة أجدني أسافرُ ببصري وخيالِي في غياهب الانتظار . حالتان وحيدتان متعانقتان تجرجران ببطء نحو الموت البطيء للإحساس إنهما الانتظار والفراغ . نخرُجُ كما البطلة من أملٍّ في الأوبة إلى سكينة الدّفء العائلي التِي لم تدم طويلاً فالخصاصة أيضا فراغٌ وانتظار يَيبِّسُ الشفاه والبطون الخاوية
فما بالك إذا توغّلا في الإحساس ويلقيان به في فكّ الموت.
إنّ العنوان في حدّ ذاتهِ بوجوده نكرة مصحوبا بالتّنقيط يضعان القارئ على بوابة سوداويّة التّيه والضّياع التِي عرفت الكاتبة كيف ترمي بنا فيها مباشرة في الجوّ المكاني الخانق برمزيّته للانتظار ووليده المشوّه الفراغ ...إنها محطة توحي اسمًا ومظهرًا بالموت الذي شلّ المكان والزمان وما أعمق الوصف الذي استعملته الكاتبة باقتضاب وتكثيف يختزنان العدميّة حتّي الحوار الثّنائي كان له دور وظيفي في تأزيم المسار الدّرامي للنّصّ وذلك بسرياليّته ذات الطرح الفلسفيّ عن عودة الأموات لتتدرّجَ من التأمّل إلى الوقوف على جمر الواقع الأليم الذي تلتهم نيران التشتّت الأسريّ وغياب سندها الأساسيّ وهو عائلها بسبب الخصاصة والهروب من سجن الانتظار والفراغ لأمل كاذب لا يفي حاجة ابنها الرّضيع الضّروريّة للحدّ الأدنى للبقاء .
إنه سعير الانتظار ورديفه الفراغ يلتهمان الزّمان والمكان والكيان . وقد ختمت الكاتبة بلغةٍ هي قمّة التكثيف للعودة على بدءٍ إلى العنوان ، انتظار مجهول المدى والهويةِ من وحي كابوس الفراغ الذي يرمينا إلى عالم الحلم أو الإيهام بالحلم إلى غدٍ نتمسّك به ولاميّتهِ أيحمل الغائب من خلف حدود المكان أو البعـــــث من رمم الواقع العدميّ الذي لم يبقى للإنسان في رحلة الحياة المضنية إلاّ هو محطّة انتظار قد يهب من سمّ الخياط أمل في العودة ؟....فلننتظر ولنقبل الواقع بمرارته ولنعشه كجزْ ء من الوجود خير من المتاهة في غياهب الفراغ ألم يقل العلماء " إن الطّبيعة تأبى الفراغ"؟. لا تتوهوا في الجواب ولتضعوا بين أعينكم حقيقة ثابتـــــــة وهـــي أنّ فاتن جبور قاصّة متفرّدة آتية بثباتٍ وعلى مهلٍ إلى عالم القصّة القصيـــــــرة والقصة القصّيرة جدّا فإن كنتم في محطة انتظار فاقرأوا لها لتنتشلكـــــم من سأم الفراغ .

الإمضاء: مراد بن بركة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

عبرة على بغداد بقلم الشاعر : محمد رشاد محمود

  عبرة على بغداد بقلم الشاعر : محمد رشاد محمود في العاشر من إبريل عام 2003 سكبتُ أبياتًا تحت عنوان “عبرةٌ على بغداد” وكان الجُرحُ لا يزالُ ي...