بقلم الأديب : عقيل هاشم..العراق
على الجبهة الغربية المعارك طاحنة ، لم تمنع أصوات الانفجارات التي كانت
تدكّ جدران الخنادق من الاستسلام، وأصبحت عصية على العدو، المذياع الصغير
لازال يفزعنا بالعاجل من جراء الأخبار السيئة التي تبثها نشرة الإخبار،
على مدار الساعة، في مثل هذه الظروف العصيبة لم يكن هناك مجال لحديث آخر
سوى حديث عابر عن بيوت الدعارة حينما يعود الجنود في الاجازة الدورية لتلك
الاماكن يصبح الترفيه عن كوابيسهم من أولويات المتعة، والحديث عن العاهرات
يكون مشوقا ، نصل فجرا بيت الدعارة ، تستقبلنا السيدة نعيمة بالترحاب ب،
في العادة كانت تجلس مع زوجها على طاولة مستديرة تستقبل الجنود الشباب
والمتلهفون الى رؤية البضاعة الجديدة من الفتيات الحسان ، على عتبة الباب
الرئيسي يقف رجال أشداء لحراسة المكان ،كانوا يسترقون النظر إلينا ،
الجنود أملهم أن يمنون النفس بامتلاكهم ولو ساعة واحدة فتاة جميلة للتمتع
معها واحتساء ماتوفر من الخمر الرخيص ، بيت الدعارة هذا يقع على بعد حوالي
عشرين دقيقة سيراً على الأقدام من مركز الشرطة ، العريف حمدان هو من
يقود الاصدقاء الى مرادهم ، كان رجل متقدم في العمر ،أعزب، لم يتزوّج، في
حياته عرف الكثير من النساء، لكنه لم يجد بينهن من يهواها بجد ، ظل وحيدا ،
النساء في زمن الحرب لاترغب أن يشاركهن السكن من أهله ، أو هي من تسكن في
دار العائلة، كان الجميع من حوله يتكلّمون عن أهمية امتلاكه أمراة ،
بالمقابل هو يسخر منهم ويصفهم بالدجاج الذي يعود قنه من وقت مبكر ، وهذا
ديدن الازواج من زمن صاروا فيه يعود أغلبهم إلى بيوتهم في وقت مبكر
منصاعين لاوامر الزوجة بينما العزاب تبدأ سهرتهم بعد منتصف الليل .
العريف حمدان يحصل على تاشيرة الدخول الى فتاة حسناء ،الفتاة في منتصف
العقد الثاني من العمر، جميلة جدا وعلى أستيحاء ، قادته بغنج إلى غرفة
نومها بينما حمدان ظل ماشياً تحت خدر الكحول اللذيذ والمألوف مارا على
طاولة نعيمة وراح ينقدها بعض الاوراق النقدية ماثمنه ساعة متعة ،بعد لحظات
وسمعنا ضحكات مكبوتة تفلت من غرفة حمدان، من مميزات هذه السيدة نعيمة
الفراسة ، تحب أن تخمن نوعية الزبائن بمجرد سماع صوتهم، بمجرد النظر إلى
وجوههم، بعد أن ترتفع يدها بالإشارة للفوز بتلك النساء ، الزبائن بأنتظار
تلك الاشارة وكل الرؤوس المشرئبة في فضول تتوسلها للدخول ،زوجها مشغول في
ملء الكؤوس بالبيرة للزبائن والإمساك بقطع الثلج ومن ثم قذفها وسط تلك
الكؤوس محدثاً رنيناً شيقا جراء الارتطام.
في
اليوم التالي سمعنا أن القصف الجوي والصواريخ بعيدة المدى طالت المدينة
وبالذات بيوت الدعارة ، وفر الناس منها ، أصبحت المدينة موحشة بعض الشيء ،
الفتاة وحمدان بعد ذلك اللقاء أصبحا حديث الجنود ،فقد أحبته بشدة وأخلصت
له ، وبعدها عرفنا أنه هرب بها الى دياره لينعم بها ويتزوجها ،طالت الحرب
ولم يعد حمدان الى الديار ، كانت تتوقع أن يأتي يوم ويعود لها ، وكانت
تمني النفس بان ذلك ليس ببعيد، ويوم طال زمن الغياب ،صدفة التقاها صديق
زوجها حمدان روى لها وغبار المعركة لا يزال عالقا بملامحه وثيابه انه
استشهد في قصف مفاجئ على رتل متقدم كان هو من ضمنهم قيل انه فقد مع كثيرين
بالخط الأمامي المتقدم من جبهة القتال، بينما أنا كنت أراقبه من خندق قريب
وكتب لي النجاة ،أصابها مس من حديثه ، وأخيرا شدت الرحال الى بيوت
الدعارة تبحث عنه وسط الخراب ، وراحت تمشي في الازقة المدمرة وحيدة ، لا
أحد غيرها، بينما كانت بيوت الدعارة اصبحت فارغة تلعب الريح بستائرها ،
يبدو أن ساكنيها هربوا في عتمة الليل ،أما باب غرفتها المنزلق ظل يصدر
صوتاً يكسر رتابة الصمت ، وهي خارجة لمستُ دموعاً منسابة على خديها، والى
اليوم وهي لم تبدل ثوبها الموشح بالسواد.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق