الثلاثاء، 10 فبراير 2026

واشتعلَ الرأسُ شيبًا بقلم الشاعر : جمال الشلالدة

 

واشتعلَ الرأسُ شيبًا



بقلم الشاعر : جمال الشلالدة

كأنَّ الزمنَ أشعلَ في الملامحِ مصابيحَهُ الأخيرة
وأعلنَ أنَّ الرحلةَ لم تكن عبورًا عابرًا
بل حكايةً طويلةً كتبتها الأيامُ على الجبين
واشتعلَ الرأسُ شيبًا
لا لأنَّ العمرَ أثقلَ كتفيه
بل لأنَّ الذكرياتِ تراكمت كغيومٍ بيضاء
فاستقرَّت فوق الرأسِ سكينةً ووقارًا
هو ليس بياضًا فقط
إنه ضوءُ التجارب
هو خلاصةُ الضحكاتِ القديمة
وآثارُ الدموعِ التي جفّت بصمت
كلُّ شعرةٍ بيضاء
رسالةٌ من عامٍ مضى
تقول: لقد عبرتَ طريقًا
لم يكن مفروشًا بالياسمين دائمًا
واشتعلَ الرأسُ شيبًا
كما تشتعلُ السنابلُ حين تنضج
وكما يضيءُ الفجرُ بعد عتمةٍ طويلة
فيعلنُ اكتمالَ دورةِ الحياة
في الشيبِ حكاياتُ صبرٍ
ومواسمُ انتظارٍ
وأحلامٌ تأخرت ثم جاءت
أو رحلت تاركةً خلفها أثرًا لا يُمحى
ليس الشيبُ انطفاءً
بل هو اكتمالُ النور
حين يتحولُ اندفاعُ الشباب
إلى حكمةٍ تمشي على مهل
في كلِّ خطٍّ على الوجه
خارطةُ طريقٍ قديم
وفي كلِّ نظرةٍ هادئة
بحرٌ تعلّمَ كيف يُخفي أمواجه
واشتعلَ الرأسُ شيبًا
كأنَّ العمرَ قال كلمته الأخيرة
لكنه لم يُسدِل الستار
بل فتح بابَ التأمل على اتساعه
صار الصوتُ أهدأ
لكنَّه أعمق
وصار القلبُ أقلَّ ضجيجًا
وأكثرَ فهمًا لما حوله
الشيبُ ليس هزيمةَ وقت
ولا إعلانَ نهاية
بل شهادةُ عبور
من ضفةِ التسرّع
إلى ضفةِ الاتزان
حين يلمعُ البياضُ تحت ضوء الشمس
يبدو كالتاج
يوضع على رأسِ من صارع الحياة
ثم تعلّمَ كيف يصادقها
واشتعلَ الرأسُ شيبًا
فهدأت العواصفُ في الداخل
وصار الحنينُ رفيقًا لطيفًا
لا يؤلم… بل يبتسم
إنه زمنٌ جديد
تقلُّ فيه الخطواتُ سرعةً
لكنها تزدادُ ثباتًا
وتصيرُ الحكمةُ لغةً يومية
واشتعلَ الرأسُ شيبًا
ليخبرنا أنَّ العمرَ ليس عددًا
بل أثرًا
وأنَّ الجمالَ لا يغيبُ
بل يتحوّلُ إلى نورٍ خافتٍ
يضيءُ القلبَ قبل الملامح

بقلم : جمال الشلالدة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

عبرة على بغداد بقلم الشاعر : محمد رشاد محمود

  عبرة على بغداد بقلم الشاعر : محمد رشاد محمود في العاشر من إبريل عام 2003 سكبتُ أبياتًا تحت عنوان “عبرةٌ على بغداد” وكان الجُرحُ لا يزالُ ي...