الجمعة، 13 مارس 2026

حق الجوار : بقلم الشاعر : جمال الشلالدة

 

حق الجوار 



بقلم الشاعر : جمال الشلالدة


في الأزقة الهادئة وبين البيوت المتجاورة تولد حكاية قديمة اسمها الجوار
حكاية لا تكتبها الجدران بل تكتبها القلوب التي تعرف معنى القرب الإنساني
فالجار ليس مجرد باب يجاور بابا آخر ولا نافذة تطل على نافذة
بل هو إنسان يشاركك تفاصيل الحياة دون أن تطلب منه ذلك
حين يستيقظ الصباح في الحي يعرف الجيران أن بينهم خيوطا خفية من الرحمة
خيوطا تنسجها الأيام بصبر وتثبتها المواقف الصادقة
فإذا تعب أحدهم وجد كتفا قريبا يحمل عنه بعض التعب
وإذا غاب عنه الفرح وجد وجها بشوشا يذكره بأن الحياة ما زالت بخير
الجار مرآة الأيام الصعبة
حين تضيق الدنيا بأحدهم يجد الباب القريب قبل أن يفكر في الطرق البعيد
وحين يحل الحزن في بيت ما يصبح الحي كله بيتا واحدا
تتوزع فيه المواساة كما يتوزع الضوء في الصباح
وكم من جار صار أخا لم تلده الأم
وكم من بيتين جمعتهما المودة حتى صارا بيتا واحدا في المعنى والروح
فالإنسان لا يعيش في الأرض وحده
بل يعيش بقلبه بين قلوب الناس
حين يمر المرض بأحد البيوت يطرق الجار الباب حاملا دعاءه قبل أي شيء
وحين تغيب لقمة الخبز عن مائدة ما تمتد الأيدي في صمت لتعيد الدفء إلى الحياة
فلا يشعر المحتاج بالحرج ولا يشعر المعطي بأنه صنع شيئا كبيرا
لأن العطاء في الجوار يصبح أمرا طبيعيا مثل شروق الشمس
الجوار ليس كلمات تقال في المجالس
بل هو سلوك يسكن في القلب قبل أن يظهر في العمل
هو أن تحفظ لسانك عن أذى جارك
وأن تحفظ عينيك عن تتبع عثراته
وأن تحفظ قلبك من الضيق إذا رأيت عنده نعمة
هو أن تفرح لفرحه كأن الفرح طرق بابك أنت
وأن تحزن لحزنه كأن الحزن جلس في بيتك
هو أن تشعر أن بينك وبينه طريقا من الإنسانية لا ينقطع
في الليالي الطويلة قد يضيء مصباح في بيت جار
فيطمئن القلب أن هناك حياة قريبة
وقد يسمع طفل ضحكة في بيت مجاور
فيتعلم أن الفرح ينتقل بين البيوت كما ينتقل النسيم بين الأشجار
ما أجمل الحي حين يتعارف الجيران بصدق
وحين يعرف كل باب اسم الباب الذي يجاوره
فتصبح الطرقات أكثر دفئا
وتصبح الحياة أقل قسوة
إن حق الجار ليس قانونا مكتوبا فقط
بل هو ضمير يسكن في داخل الإنسان
كلما كبر هذا الضمير كبرت معه الرحمة
وكلما اتسع القلب اتسع الحي كله بالمحبة
وحين يرحل الإنسان يوما عن هذه الدنيا
لن تسأل الجدران عن ماله ولا عن مكانته
لكن القلوب ستتذكر أنه كان جارا طيبا
كان سلامه يسبق خطاه
وكان خيره يصل قبل أن يطلبه أحد
وهكذا يبقى الجار الصالح أثرا من نور في حياة الناس
يمضي الجسد وتبقى الذكرى
وتبقى الدعوات التي ترتفع في صمت
رحم الله جارا كان للخير عنوانا
وكان حضوره طمأنينة في الطريق
فالجوار في حقيقته قصة إنسانية بسيطة
لكنها عظيمة المعنى
قصة تقول إن الإنسان لا يكون إنسانا حقا
إلا حين يشعر أن بيت جاره جزء من قلبه
وأن سلام الجار هو سلام للحياة كلها

بقلم : جمال الشلالدة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

عبرة على بغداد بقلم الشاعر : محمد رشاد محمود

  عبرة على بغداد بقلم الشاعر : محمد رشاد محمود في العاشر من إبريل عام 2003 سكبتُ أبياتًا تحت عنوان “عبرةٌ على بغداد” وكان الجُرحُ لا يزالُ ي...