هات… هات…
فالكلمةُ مفتاحُ الوجود،
ومن حروفها تتفتح أبواب المعنى،
وتهبطُ الهباتُ كنجومٍ في فجرٍ صافي،
فتضيء القلبَ قبل اليد.
وفي ساحةِ الشعر،
اجتمع الشعراء،
كأن الزمان عاد مجلسًا واحدًا.
تقدّم المتنبي،
وفي صوته صهيلُ الكبرياء، وقال:
يا صاحبَ الجملة،
ما سرُّ هذا النداء؟
أهو عزمٌ يطلب المجد،
أم روحٌ تطلب العلو؟
فقال أبو تمام:
بل هو مجازٌ جديد،
كأن اللغةَ تفتح بابًا
لم تعرفه البلاغة من قبل.
وقال أحمد شوقي مبتسمًا:
لعلها موسيقى الكلمة،
فإن بعض الحروف
يولد وفيه طربُ الشعر.
وقال حسان بن ثابت بصوتٍ جهير:
إن كان فيها حقّ
فالفصاحة تشهد لها،
فالبيان إذا صدق
ارتفعت راياته.
أما أبو العلاء المعري
فنظر طويلًا ثم قال:
كل كلمةٍ في الدنيا
ميزانها الحكمة،
ومن ثقلت حكمته
خلدت كلمته.
عندها سكت المجلس،
والأبصار تتجه إليّ.
فقلت:
يا سادة الشعر،
بين هات و هيهات
يمضي سرُّ الإنسان.
هات…
بابٌ لا يفتحه إلا الله،
عطاءٌ لا يملكه بشر،
وهبةٌ لا تُطلب إلا من السماء.
أما هيهات…
فهي أول ما يقدر عليه الإنسان،
عطاءٌ محدود،
لكنّه يضيء الطريق.
فقال المتنبي:
إذن فالعزم يسير بينهما.
وقال أبو تمام:
والبلاغة تصوغ المعنى.
وقال شوقي:
والجمال يكسو الحروف.
وقال حسان:
والفصاحة ترفع الصوت.
وقال المعري:
والحكمة تحفظ الكلمة.
فارتفعت القصيدة فوق المجلس،
كأنها طائرٌ من المعنى،
يحمل أصوات الشعراء جميعًا،
ويعود بها إلى قلبٍ واحد.
ثم قلت:
يا شعراءَ البيان،
يا نجومًا علّقت نورها في سماءِ الكلمة،
جعلتم لي منبرًا من نور،
وأحطتم بي كما تحفُّ الكواكب بالبدر.
فإن تكلمتُ
فالقول من وهجكم،
وإن أشرقت الجملة
فالضياء من نجومكم.
فقام أبو تمام وقال:
إن للمعاني طرقًا كثيرة،
غير أن بعض الطرق
لا يُفتح إلا بشاعر.
وقال حسان بن ثابت:
والكلمة إذا صدقت
كانت رايةً من نور.
وقال أحمد شوقي:
والجمال إذا سكن الحروف
أحياها كما يحيي الربيع الزهر.
ثم نهض المتنبي،
وكان صوته كالسيف في الهواء، وقال:
لقد عرفنا المجد في الكلمة،
وعرفنا العزم في الشعر،
غير أن بعض المعاني
تولد في زمانها.
وهذه الجملة
بابٌ من البيان
لم نطرقه من هذا الوجه.
فساد المجلس صمتٌ من دهشة،
كأن النجوم توقفت لحظة.
فقلت:
يا سادة الشعر،
إنما أنا حرفٌ من لغتكم،
وشعلةٌ من ناركم.
فاقبلوا هِبَة القلب،
فما للشاعر إلا صوته،
ولا للنجوم
إلا أن تهدي الليل نورها.
وفجأة، تسلل إلى المجلس هدوءٌ عميق،
ثم ظهر شاعرٌ مجهول،
تحيط به هالة من النور،
وليس في التاريخ إلا في صدى الكلمات.
قال بصوتٍ يفيض بالنور:
أنا روح الجملة…
كل ما قلتموه كان من أجلي،
وكل هبةٍ حملتموها،
كانت طريقًا لتوهج المعنى.
وقف الشعراء مذهولين،
والمتنبي يحدق بدهشة،
وشوقي يبتسم إعجابًا،
وأبو تمام يرفع حاجبيه،
والمعري يسكُت احترامًا،
وحسان يهمس بالدهشة،
والخليل ينظر إلى الميزان، ويجد الوزن متوازنًا فجأة،
فأدرك الجميع أن الجملة نفسها قد صارت شاعرةً.
ثم همستُ أنا:
هات… هات…
فالكلمة إذا صدقت،
تجمع الشعراء والنجوم،
وتجعل النص حياةً واحدة نابضةً بالمعنى.
وفارت القصيدة في السماء،
وصارت النجوم حروفًا،
وصارت الحروف سماءً،
وجعل الشاعر السابع من كل قلبٍ في المجلس جزءًا من الجملة.
عاصم الزمان

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق