بقلم الأديب : عقيل هاشم..العراق
جبار
الغزي شاعر اغنية ، عاش متشردا في الشوارع والازقة ، لايستره سوى معطف
صوفي وحذأء متهرئ ينتعله صباحا ولايتركه الا حين تكل رجليه من عثرات
الطرقات ، فيتوسده وهو يهم بالنوم على رصيف بارد لايستره من لسعة البردى
سوى صحيفة بالية ، عشق الكلمة فصاغ جمال وفتنة الشعر ، الغزي صاحب اغنية
خلدته ، هي عنوان الفاقه والتشرد والخيبة لفراق الحبيبة ، اغنية غريبة
الروح.لقد رحل منذ وقت ليس بالبعيد وترك في نفس الاصدقاء لوعة واصبح نهبا
للذكريات ، في قصائده ترى المرأة حاضرة بكلِّ تجلياتها ومراياها وتصوراتها،
في كلِّ نبضة من نبضات روحه، هناك عصب أنثوي وعطر نسائي يفوح من كل مفردة،
حيثُ يؤكِّد على أن الحبَّ حتى ولو كانَ صامتاً فهو وقودٌ للشعر، فقد ظل
الغزي في وجدان محبيه ، حين تقلب دواوينه تسمع وتشعر انفاسه ممزقة بالغربة
والحنين الى حضن امهى، صرخة نابعة من حنايا روحه، لوحة فنية ثرّة الدلالة،
إنسانية الملمح ،وقد غدت خبز الرافضين وملح المتمردين الذين يحلمون بغد
مختلف، عالم حر كله عدالة ونقاء وصراحة كذلك، الشعر عنده قضية وموقف ورسالة
والتزام بالهم الإنساني، ترك القرية في الجنوب وسافر الى بغداد عاصمة
الأنوار والثقافة والحرية تلك المدينة الخالدة التي أشعت على الدنيا مزية
الابداع والجمال ،كان يريد حياة جديدة للكلمة الشعرية وأفقا شعريا جديدا
يطرح من خلاله همه الانساني من لوعة وتشرد وجوع لايطاق ،حتى اسموه
الاصدقاء بالشاعر الصعلوك ، سكن الفنادق الرخيصة والارصفة ومظلات الاكشاك،
ومواقف الباص ، عاش حياته متمردا ، يقف بوجل وكانه تمثال ينتصب في وسط
الميدان ،صامدا في وجه الزمن بنفس الرفض والصمود ، فهو بحق الشاعر الذي عزف
مواويل الحزن والتمرد بين جنبات الحياة ،وشبع في هذه الدنيا تسكعا على
الأرصفة، فهو بحق ملك الأرصفة وإمبراطور الصعاليك. ومن عرف سر صعلكته أحبها
وشغف بها عشقا، إنها صعلكة نبيلة فيها كبرياء وعزة ونبل وطهارة ،لم يتعلم
الغزي تعليما منتظما يبرر به ذلك الإبداع الذي خلفه؛ فقد ترك المدرسة صغيرا
بسبب فقر والده. ولكنه بموهبته الشعرية، وحسه الجمالي استمع إلى صوته
الداخلي. واصبح علامة فارقة في السعر ، صوت الفطرة الذي فتح بصيرته على
الشعر والجمال، فصاغ اجمل القصائد ، يقضي نهاره يجول عبر الطرقات، ويجوس
الازقة بلا هوادة ، لايوقفه سوى التعب فيتوسد ذراعه وينام كالدراويش على
ارصفة المقاهي ، هذه المقاهي فقد كانت منابر مفضلة لكثير من المهمشين
والرافضين على السواء ، وسط كل هذا التخلف وهذا الخراب. وكل هذه الظروف
شحنت قريحة الشاعر بالشعر وملأت نفسه الرافضة الأبية إباء وشموخا على حساب
صحته النفسية والبدنية وحريته الشخصية. قصائده ثائرة ونيران السخط وألفاظ
التمرد هي مايعطي شعر الغزي مذاقه وسحره وألقه وجاذبيته. واندغام القارئ
في ثنايا نصوصه إنه يجد نفسه الموؤدة وروحه المغتصبة وحقوقه المهضومة
وحريته المغيبة. اما عن رحيله عن هذه الدنيا ، فقد تعد فاجعة إنسانية
وشعرية بامتياز. ظل الى اخر لحظة يحن الى حضن امه ، وعند فراقه لها احس ان
جدار سقط كان يلوذ به في صحراء الحياة، يندبه الاصدقاء بجزع الفراق ، امه
ذات يوم ذهبت تبحث عنه في العاصمة وحين وجدته ضمته الى صدرها ،وسالته هل من
عودة ، رفض وبشده ، ذهبت ربما ستفقده وهي تبحث عنه لأخر رمق في حياتها
،ولا يكتمل الحديث عن الغزي الشاعر والإنسان دون الحديث عن نصوص تتميز
بالابداع والجمال والحس الانساني ،مع مواصلة روح الاحتجاج ونفس التمرد
والرفض تماما مثلما كتب في نصوصه الشعرية التي لحنتها اجمل الاوتار وغنتها
اجمل حناجر الطرب .سلام لروح الشاعر الإنسان والذي أظنه يسخر منا جميعا من
مرقده الأبدي ، فقد عاش حياة صعبة كادحة، من غير تعلم، ولا رعاية أبوية،
ولا اهتمام يذكر من الوسط الثقافي ، فقد اصابه المرض وقتله الفقر
المدقع،لا صديق يسليه سوى ، الرصيف، المقهى بنات الليل، الحانات، لا زالت
قريته الجنوبية ترثيه بأزقتها وحاراتها المتثائبة آخر الليل، والتي تستر
جسدها بغلالة رقيقة من دواوين الشعر، وتشيعها إلى مرقده بسمات الصبايا،
ورائحة التبغ والكحول، توفى لكنه ظل وفيا للمتعة والبهجة والأنس والدعة
والكسل، والنسوة الملتفة في عباءاتهن ، وجلبة الباعة ، ويوم نقلت البلدية
جثمانه الى الطب العدلي ولم يعرف بعد من هو صاحب هذه الجثة والقصائد
المتناثره من جيب معطفه تدلل عليه، في اليوم التالي هذا الخبر انتشر
انتشار النار في الهشيم، ظلت قصائده تثير في نفوس مريديه الكثير من التساؤل
، لا شيء يخلد الانسان سوى اثره الباقي ، اما الغزي فان قصائده خلدت سيرته
في روائع شعرية إنسانية وفنية قد زينت حياته ببريق الإبداع. دونها بهاجس
عفوي فطري مسكون بالحنين والمسكون بتجليات المقاهي وجماليات الأمكنة،
والحالم بحدائق الحريَّة، والمحتشد بأغاني الأنوثة الأشد عذوبة
وصفاء.واليوم بعد مضي ما يربو على العقدين، وانت تقرأ قصائده ، تجد هذا
الشاعر المبدع يرثي الحياة بأنفاس محبوسة، دونها في منتهى النبل والصدق
والأمانة والوفاء ،لذا من الصعب الإلمام بتجربة شاعر متمرد مثل جبار الغزي
،اخر من شاهده ذاك المساء قال ، كان جالسا على الرصيف وحيدًا، يُطالع ما
كتبته عنه الصحف، ثم حلَّ عليه النومُ، تغطى بورق الجريدة، ثم غط في نومٍ
عميقٍ. في الصباح عثروا عليه، في موقف الباص في زاوية مهملة ، الى جواره
تقف جمهرة من طالبات الجامعة بانتظار الباص للذهاب الى الجامعة ، وزخات
المطر تبلل جسده جثةً هامدةً. كان مسالمًا حقيقيًّا، عاش بيننا في سلامٍ،
ومات دون صخبٍ، فأنا لم أكتب سوى تحيَّة محبة لهذا الفارس،مايميز نصوصه
أهميَّتها وفرادتها وتنويعاتها الأصيلة. حيث يأخذنا في قصائدهِ الى
فضاءات شعرية ملوَّنة بأسراب الحمام ،بابتكارات مخيَّلة مدهشة وصور
خلَّابة. فهو يستدعي خيال الحبيبة في كلِّ تنهيدةٍ من تنهيداتهِ، حيثُ
المرأة هي مفتاحُ القصيدة، لا زال والى اليوم يحمل دواوينه بيد تحمل كل
رمادِ غواياته السريِّ وقد بعثرها في وجه الشمس .
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق