بقلم الأديب : عقيل هاشم..العراق
هذا
المساء تدور فى مخيّلتي أشرطة الذكريات وأنا أهزّ رأسي أسفا وحسرة على
فقدان ذلك الزمن الذي ولّى وليس له إيّاب، تناولت فنجان القهوة على مهل
فصرت احسوها ببطء ،وأشعلت سيجارة ، وطفقت أسرح بنظري وفكري هنا وهناك
،فتناسيت قليلا البيت ومشاكله، ورحت اقف امام صور فوتوغرافية كبيرة
التقطها مصور بارع ، كانتى معلقة في الصالون ، تاريخها قديم جدا لازالت
تصارع الاهمال والنسيان ،تحركت أصابعي عليها لتمر على صور أشخاص عديدين
لازلت اتذكر اسماء بعض منهم بالرغم من قدم الصورة ، هناك وعلى مقربة من
بيتنا يمر نهر الفرات متهاديا الى الجنوب حيث يسير عبر المدى البعيد الى
شط العرب ،الصّخور مزروعة على النهر خشية طغيانه هذا العام ، اخر الزقاق
جامع بناءه متهالك تعلوه قبّة خضراء،أكثر روّاده من كبار السن ، المراكب
الشراعية تتراقص بفعل الامواج العاتية والتي تضرب السدود بلا رحمة حتى
ليتعذّر على المرء المشي بمحاذاة تلك المرساة ، الامواج اخر الليل يتطاير
رذاذها المتناثر فى كلّ إتجاه ، العتالون لا مأوى لهم يتكوّمون خلف السدؤد
يحتسون فى سلام شراب رخيص ، ويبدأ مطرب الجلسة رزوقي بالغناء وكان صوته شجي
، من بعيد يسمع شجنه ، استمر يغني واجساد الحضور تتمايل كموج هادئ،
يرتجل طربا فيسايره الاصدقاء بالرقص والسخرية ويتماوج معه البعض فى
ارتجاله ،المسناة تمتدّ على مقربة من خان جدي الحاج دمدوم ،على الجانب
الاخر مبغى يعود للسيدة لواحظ خانم ، كانت جميلة الطلة ، وجهها وردي مغري
وقد رسمت حاجبيها بدقة وكحلت عينيها ثم فردت شعرها الأسود الطويل الذي كاد
يصل لأردافها، وارتدت فستان عاري الكتفين والصدر يحدد تفاصيلها ثم
ظلت تسير بخفة وتنظر لملامحها ،تظهر اما الزبائن متأنقة جدا ، المبغى
تجمع فيه ماطاب من الشراب ، والراقصات الحسان لايستر اجسادهن سوى قماش
مخملي فضفاض ، زبائنها من النساء تحيط بهن رجال من ضيوف الحي ،جدي وبعد
طلاق جدتي اخرجنا من نعيمه ، هذا الرجل المسن والمهوس بحب النساء ، دفع
بنا في وضح النهار الى السكن في حي حقير نستاجر بيت صغير مصنوع الصّفيح ،
في هذه البيوت الحقيرة يزداد كل يوم عدد الاطفال الصّغار والعراة ،
متّسخون،تبدو عليهم الفاقة فى أحلك وأحطّ صورها، وحين تمر العربات التي
تجرها الخيول يسرع هؤلاء الصبية واطفال الحي الخطى لملاحقتها ويرموها
بالحجارة ، على السطوح تتنشر حبال الغسيل ،تكشف قذارة الملابس وبعض
الألحفة الرمادية الظاهرة من شدة الاستعمال ، حول بيوت الصفيح تظهر شواخص
قبور اليهود تحيط بها أطلال بالية مهدّمة تنتشر بعض الكلاب الضالة ، مقهى
الحاج بلابل يربض على تلة مقابل المقبرة ، المقهى يؤمّهاىكل يوم بعض
المارّة والمتبضعين من النهر من اسماك ، المقهى قديمة جدا حين تزورها تجد
مقاعدها الخشبية بالية، الحاج بلال يتفقد زبائنه وهو يجرّ قدميه بتؤدة
وتثاقل ، فقد كان بدينا، ضخم الجسم ، فوق فمه ينبت شارب كثيف وأشيب كثيرا
ما يحجب فمه ، والدي بعد مقتل عمي غدرا في تظاهرة مناهضة للنظام فوق جسر
النصر ،جعلته تلك الحادثة ذا قوّة وصبر لازال متمسكا بهما مع مرور الزّمن
وتقدّم العمر ،كان يوفّر لأسرتنا معيشة طيبة ، اخر الليل جرت العادة ان
تغط الازقة بعتمة ، بينما البيوت طفقت تغلق أبوابها الصغيرة ، وبدأ عدد
الأطفال يقلّ تدريجيا ،كما أنّ جمع من العتالين يحثون الخطى للعودة ،
الكلّ في هرولة وعجلة من أمرهم ، أصوات السّكارى من بعيد لم تنقطع ، اما
نباح الكلاب لم يهدأ، مجنون الحي وادي طويل القمة شعره اشعث يسير الى مخدعه
حافي القدمين، بيده كسرة خبز جافة، وجهه غارق في الحزن ، يلبس معطف قديم
وممزق من اطرافه لونه رمادي حائل اللون ، يمر بالمغبى ويقترب من النافذة
يتلصص على من فيه ، بقيت عيناه تلاحق من يتحرك ، يذوب شوقا ويترك ساقيه
ترقص بخفة ،بعد العرض يغادر المجنون المبغى على امل عودته الليلة القادمة ،
اما نسوة المبغى يذهبن الى حمام الحي ، كنيته حمام ابو ليرة للنساء لكنه
يحترق ، السيدة لواحظ خانم يصرخ من نافذة الحمام ، ظلت الحريق مستعرة
وابواب الحمام مغلقة من شدة الحرارة ، هناك خيط دخان طويل راح ينطلق الى
عنان السماء ، رجال اشداء فتحوا الابواب واخرجوا من فيه ، السيدة لوحظ خانم
غائبة عن الوعي ، حملوها داخل ملاءة بيضاء ، كانت رائحتها تشبه رائحة
الشياط، لكن منذ أخذوها من المستشفي وهي لا تتكلم ولا تصرخ ولا تبكي ولا
تذكر أي شـيء مما حدث لها ،لكن الشيء الوحيد الذي اخبروا عنه هو اشتعال
فتيل نار في المرجل ، فجأة ياتي صراخ من نسوة مهرولات ينبدن حالهن بسبب
فراق لواحظ خانم ، الازقة تقف حائرة لما حصل للحريق وخروج النساء عراة الى
الشوارع ، البعض أطل من النوافذ ومن الشرفات ، تبكي وتلوح للرجل بحث الخطى
لمعالجة الامر وستر النساء ، عجوز وحيدة ظلت تقاوم الحريق خشية خروجها
عارية من الحمام خشية الفضيحة.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق