مقام العابر الأخير
بقلم الشاعر : وسام عبد الجواد
"ما الجسر إلا خديعة خطوة نحو الذات
والشمس فيما ترى... جرح قديم بدا
لا تبتئس، فالقتيل هو الوجود الذي بان
والعتبة الرحبة ميثاق من أبصروا المدى
حيث العدم هو الملاذ، وكل ما دونه صدى"
من كتاب: ديوان العدمز..
أنا العابر المستريح على طلقات الصدى
أنا الجسر والمارش الجنائزي القديم
أنا نظرة عجلى عليكم...
أنا من رأى الشمس تشنق فوق المآذن
في ساعة الظهر...
لكنني لم أتقدم لشبر
ولم أتزحزح عن الصمت خطوة
وقفت على حافة الجسر
أرقب مرآة هذا الوجود الكذوب
رأيت القتيل يفتش في جيوب القاتل
عن حصته في الهواء
رأيت الدم المسكوب فوق الرصيف
يصير زهورا من الشوك
تنمو بقلب الصغار
أنا المسرع الآن نحو العتمة...
لا خوف يلحق بي
لا مديح يجرجر أذياله خلف ظهري
فقد ذقت طعم الضياء
فكان مرارا...
وكان غبارا...
وكان قناعا لوجه الهباء
أقول لكم من وراء الحجاب:
"بأن الذي يبحث عن ذاته في المرايا
سيخسرها...
والذي يترك النفس للريح
تغدو هي الكل في الكل...
تغدو هي البدء والمنتهى"
هناك...
تحت فيء النخيل البعيد
رأيت أرملة تطبخ الحزن
في قدر أحلامها الراحلة
توزع خبز الفجيعة فوق الجياع
وتغسل وجه القتيل بدمع الصبر
تقول لنا وهي تحني القوام:
"إذا جفت الأرض من مائها
فاسقوها بماء الرضا...
فإن الوجود الذي نرتديه
قماش سيبلى...
وإن الذي يسكن الروح
يبقى وراء الزمان... عصيا على الانكسار"
أنا لم أتقدم بلحظة...
لأن الزمان يبدو كفهرست النحل
حول الخلية...
ما الفجر إلا استعادة ليل مضى
وما الموت إلا مخاض حياة ستأتي
أنا المسرع الآن...
أعدو خفيفا كفكرة صوفي
ضاقت به الكلمات...
فهام بوادي العمى
ألقي عليكم سلام الوداع
ونظرة عجلى...
أراكم بها كالفراشات
تحوم على شعلة من رماد
يا رفاقي على جسر هذا الشقاء...
أنا لا أغني لنفسي
أنا لا أقدس جرحي
أنا أفتح الصدر للأرض
كي تستربح القوافل فيه
خذوا الدم...
واجعلوه مدادا لفصل جديد
خذوا الشمس...
واخفوا لظاها ببرد اليقين
فإن الحقيقة ليست ضجيجا
وليست صياحا بساح الوغى
الحقيقة بذرة صمت
تنام ببطن التراب العظيم
وها أنا ذا...
أقترب الآن من عتمتي
بكل الرضا...
وبكل الهيام
لا قيد يمسك بي
لا هوية تحصر مائي
أنا قطرة في المحيط
أنا المحيط الذي ذاب في قطرة...
أنا اللاشيء...
حين يصير هو الحق
في حضرة المطلق المستنير
وداعا...
لكم سطوة الوقت والحادثات
ولي خلوة الغيب...
خلف جدار السكون
وداعا...
فقد حان ميعاد موتي الجميل
وقد فتح الجسر...
بين الندى والخلود
وسام عبد الجواد

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق