اقطعِ الغُصن يختفي القِرد
بقلم القاص : د. عبد الرحيم الشويلي.القاهرة
قالَ حكيمٌ ساخر
«لا تتعلّقْ بأحد… فالناسُ ليسوا أشجارًا، وأنتَ لستَ قردًا.»
قِصَّة قصيرة
اقطعِ الغُصن… يختفي القِرد.
كانَ "مأمون" رجلًا طيّبًا، لكنَّهُ مُصابٌ بعاهةٍ غريبةٍ لم يكتشفها الأطبّاءُ قطّ:
لا يستطيعُ فعلَ أيِّ شيءٍ وحده.
إذا أرادَ شُربَ الماءِ نادى زوجتَهُ.
وإذا أرادَ إيجادَ نظّارتِه سألَ أبناءه عنها وهي فوقَ رأسِه.
وإذا تعطّلَ هاتفُه، جلسَ أمامهُ كأنَّهُ يُراقبُ مريضًا يحتضر.
حتّى إنَّهُ في يومٍ ما اتّصلَ بابنِ أخيه ليسألَهُ: — كيف أفتحُ النافذة؟
فقالَ الشابُّ مذهولًا: — بيدِكَ يا عمّي… بيدِكَ!
وكانَ مأمون يُؤمنُ إيمانًا عجيبًا بأنَّ الناسَ خُلِقوا كي يحملوا عنهُ الحياة.
أخوهُ يُنجزُ معاملاتِه.
وجارُهُ يُصلّحُ مصباحَهُ.
وصديقُهُ يقرأُ لهُ التعليماتِ المكتوبةَ بخطٍّ واضح.
حتّى حذاؤه… اعتادَ أن يربطهُ لهُ حفيدُهُ الصغير.
وحينَ سافرَ الجميعُ ذاتَ صيف، بقيَ وحدهُ في البيتِ لأوّلِ مرّةٍ منذُ سنوات.
وقفَ في المطبخِ مرتبكًا أمامَ إبريقِ الشاي كأنَّهُ يُواجهُ محرّكَ طائرة. ثمَّ جلسَ على الكنبةِ يُحدّقُ في السقفِ بخوف.
في اليومِ الأوّلِ أكلَ خبزًا يابسًا لأنَّهُ لا يعرفُ تشغيلَ الفرن.
وفي اليومِ الثانيِ ارتدى قميصَهُ بالمقلوبِ وخرجَ إلى الشارعِ دونَ أن ينتبه.
أمّا في اليومِ الثالث… فقد جلسَ يبكي لأنَّ أحدًا لم يُوقظهُ لصلاةِ الفجر.
وعندَ المساءِ، لمحَ نفسَهُ في المرآة.
رجلٌ تجاوزَ الستّين، لكنَّهُ يتّكئُ على البشرِ أكثرَ من طفلٍ يتعلّمُ المشي. ضحكَ فجأةً… ضحكةً طويلةً ومؤلمة.
ثمَّ قالَ بصوتٍ خافت: — يا إلهي… لقد عشتُ عمري كلَّهُ مثلَ جهازٍ كهربائيٍّ لا يعملُ إلّا إذا وصلهُ الآخرون بالمقبس.
في الصباحِ التالي، صنعَ الشاي وحدهُ.
أحرقَهُ مرّتَين… لكنَّهُ شربَهُ مُبتسمًا.
وربطَ حذاءَهُ بيديهِ المرتجفتين.
واحتاجَ إلى عشرِ دقائقَ كاملة… لكنَّهُ نجح. حينَ عادَ أهلُهُ من السفر، وجدوا على بابِ البيتِ ورقةً كُتبَ عليها:
«لقد خرجتُ وحدي إلى السوق.
إذا تأخّرتُ… فابحثوا عنّي في قسمِ المفقودات، لا في المستشفى!»...
بقلم القاص . د. عبد الرحيم الشويلي
القاهرة
16مايو.مايس.2026م.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق