بقلم الشاعر / المستشار مضر سخيطه - السويد
على ذلك القوس
ذاك المماس وفي نقطةٍ نتهادى الغرام
ونحن على أهبة الإنقراص نزكّّي على روحنا الإبتسام ( 1 )
وبعض الكلام لنا فيه سلوى إذا ما الغرام سما وتسامى
إذا دمدم الشك بالقبرات فإنّ على العاشقين السلاما
عديني
بنظرتك المشتهاة لأنسى المعاناة
أنسى الدراما
عِدِيني
بوعدك لوز البلاد سلالٌ وفستقها كالخزامى
عِدِيني لموعدةٍ لاتغيب يعانقها نبضيَ المُستَهام
سأرفأ ما مزقته السنين بصدري وحوّل ليلَي سخاما
تراقص أحلامي المرجآت كرقص الظلال بعين النُدامى
فأهمس
لن أربح الشهواتَ
لأخسر من خاطري ماترامى
بألوان زاهيةٍ
كالربيع
إذا مرّ بالأرض صحّا النياما
صباحاً
كأن الصبايا رفوفٌ
وحين العشايا يجِنُّ النشامى
يصادفني حجرٌ في الطريق فأغطس كالعاثرين ازدحاما
كذا فكرةٌ لعلعتْ كالشهاب
تجاهلت
مثل الذي يتعامى
بذاكرتي تشهق الكلمات لتشهد قيعانيَ الإرتطام
يهدهدني الإنتظار المملّ
بوعدٍ
وتبقى الوعود كلاما
أحاسيس في أحرج اللحظات
تجرجرني خلفها
كاليتامى
ضروسٌ ومن زمنٍ
وسنينٍ
كشدق التنانين وزراً ضراما
وآلام تحتنك العاشقين فتركمهم حيرةً وأواما ( 2 )
لأسأل ذات السؤال لروحي
وأرتجل الرد والإحتدام ؟ ؟
حكائيتي عاشقٌ مستباحٌ يبعثره الحلم عاماً وعاما
يرى في الشجون غماماً مطيراً ويغدو الغياث عليه حراما
كما أنني
أرفض الإنكسار
كمفردةٍ ترفض الإنقسام
شعر / المستشار مضر سخيطه - السويد
الإنقراص : هو تراجع قدرة العمود الفقري على مقاومة الصدمات
الأوام : شدة العطش
قراءة نقدية بارعة - بقلم الأستاذ الأديب سعد دسوقي
القصيدة ( شهيق المفردات )
مجلة منتدى مملكة الحب
يأتي نص مضر سخيطه محمّلاً بطاقة وجدانية كثيفة، إذ يشتغل على ثنائية الحلم والانكسار ضمن فضاء لغوي متوتر بين الأمل والتداعي. والعنوان «شهيق المفردات» يحمل دلالة نفسية عميقة؛ فالشهيق فعل حياة، لكنه هنا مرتبط بالمفردات، وكأن الكلمات نفسها تتنفس وتتألم وتقاوم الاختناق. ومنذ المطلع يدخل الشاعر إلى فضاء هندسي وروحي معًا:
«على ذلك القوس / ذاك المماس»
ليحوّل اللغة إلى معمار شعوري تتجاور فيه المصطلحات العلمية مع الانفعال العاطفي، وهو اشتغال حداثي يمنح النص خصوصية لافتة.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
يعتمد النص على خطاب وجداني مباشر قائم على النداء والتوسل العاطفي عبر تكرار فعل الأمر «عديني»، وهو تكرار ليس لغويًا فحسب بل نفسي أيضًا، إذ يكشف عن روح تبحث عن النجاة من الخراب الداخلي. فالحبيبة هنا لا تمثل امرأة بقدر ما تمثل الخلاص والطمأنينة واستعادة المعنى.
ويبلغ التصوير ذروته حين يقول:
«سأرفأ ما مزقته السنين بصدري»
فالفعل «أرفأ» يحمل طاقة ترميمية توحي بأن الذات تحاول إصلاح ما حطمته السنوات، بينما يتحول الليل إلى «سخاما» في صورة قاتمة تجسد تراكم الاحتراق النفسي.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
تميز النص بثراء الصورة الشعرية القائمة على الانزياح والتكثيف، حيث تتوالد الصور بصورة متدفقة دون افتعال. فالشاعر لا يصف المشهد بل يعيد تشكيله عبر رؤيته الخاصة:
«تراقص أحلامي المرجآت كرقص الظلال بعين الندامى»
وهنا تتداخل الحواس بين الرؤية والحركة والنشوة، مما يمنح الصورة بعدًا سينمائيًا متحركًا.
كما أن الشاعر يوظف مفردات غير مألوفة نسبيًا مثل «الإنقراص» و«الأوام» ليمنح النص طابعًا ثقافيًا ومعجميًا خاصًا، وهذا يعكس قدرة على تطويع المفردة الصعبة داخل السياق الشعري دون نفور أو تكلف.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
النص يقوم على إيقاع داخلي واضح يتولد من التكرار والتناغم الصوتي وتوالي الحروف الممدودة، مما يمنحه نَفَسًا غنائيًا حزينًا. كما أن القافية الموحدة بحرف الألف الممدودة أضفت امتدادًا صوتيًا يتلاءم مع حالة الشجن والانتظار.
ويُلاحظ أن الشاعر يوازن بين الجملة الطويلة ذات التدفق الشعوري والجمل القصيرة المكثفة، وهو ما يمنح القصيدة حركة نفسية متصاعدة بين الهدوء والانفعال.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
لا يقف النص عند حدود الغزل، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة الذات والوجود، خاصة في قوله:
«لأسأل ذات السؤال لروحي / وأرتجل الرد والاحتدام»
فهنا تتحول القصيدة إلى حوار داخلي وجودي، حيث الذات مأزومة بين السؤال والجواب، بين الرغبة في النجاة والاستسلام للتيه.
كما أن عبارة:
«كمفردة ترفض الانقسام»
تُعد من أجمل الخواتيم الدلالية، إذ يجعل الشاعر من الكلمة كائنًا حيًا يرفض التشظي، في إسقاط واضح على الذات الإنسانية الرافضة للانكسار.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
تكمن قوة النص في قدرته على المزج بين المعجم العاطفي والمعجم الفكري دون أن يفقد حرارته الشعرية. فالشاعر لا يكتب الغزل بوصفه حالة عابرة، بل يقدمه كاختبار وجودي للإنسان أمام الزمن والخسارة والانتظار.
ومن الناحية النقدية، فإن أبرز ما يلفت الانتباه هو هيمنة الصورة المركبة ذات الأبعاد النفسية، حيث تتحول المفردات إلى كائنات تتنفس وتتصادم وتتشظى. كما أن النص يتبنى رؤية حداثية واضحة عبر إدخال مصطلحات ذات أصول علمية وطبية وهندسية داخل النسيج الشعري، وهو أمر يحتاج إلى مهارة حتى لا يبدو دخيلًا.
ورغم كثافة الصور وجموح الخيال، حافظ النص على وحدته الشعورية، فلم يتفكك إلى مقاطع منفصلة، بل ظل محكومًا بخيط داخلي من الحنين والانكسار والمقاومة.
أما على مستوى المأخذ النقدي، فقد كان بالإمكان تقليل بعض التراكيب المتتابعة التي تميل إلى الإغراق في المجاز، لأن كثافة الصورة أحيانًا تؤخر انكشاف المعنى للقارئ العادي، لكن هذا لا ينتقص من القيمة الفنية، بل يؤكد أن النص ينتمي إلى القصيدة التي تراهن على التأويل العميق لا على المباشرة.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
يبرهن مضر سخيطه في هذا النص أنه شاعر يمتلك حساسية لغوية رفيعة وقدرة عالية على تطويع الصورة والمعنى والإيقاع داخل بنية شعرية متماسكة. لقد استطاع أن يمنح القصيدة روحًا متدفقة تجمع بين الثقافة والوجدان، وبين التأمل والفجيعة، فجاء النص كأنه شرفة مفتوحة على قلب مثقل بالشوق والأسئلة.
إنها قصيدة لا تُقرأ مرة واحدة، بل تستدعي العودة إليها لاكتشاف طبقاتها الجمالية والرمزية، وفي هذا تكمن قيمة الشعر الحقيقي الذي يظل نابضًا في الذاكرة بعد انتهاء القراءة.
_____________________________________
الأديبة والشاعرة - منيرة الغانمي
القصيدة ( شهيق المفردات )
مجلة وجدانيات الأدبية
يجسد النص الصراع الداخلي بين الرغبة في الحب والخوف من الخسارة، مع التأكيد على القوة الداخلية والرفض للانكسار ومن ثمة التمسك بالأمل والبحث عن السعادة رغم العوائق والتحديات.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق