السبت، 16 مايو 2026

الحج بقلم الشاعرة : عزة كامل

 

الحج



بقلم الشاعرة : عزة كامل

يا راحلينَ إلى الحجازِ تهيَّؤوا
فالنورُ هناكَ يفيضُ عشقًا أبهرا
مكَّةُ تنادي من بعيدٍ عاشقًا
والقلبُ قبلَ خُطاهُ نحوَ البيتِ سرى
فيها الدعاءُ إذا تنفَّسَ خاشعًا
لامسَ السماءَ وعانقَ الفجرَ السَّنا
الحجُّ ليسَ مسافةً نخطو بها
بل رحلةُ الأرواحِ إنْ صدقَ الرُّجا
أنْ تخلعَ الدنيا وهمَّ زحامِها
وتعودَ نحوَ اللهِ قلبًا مُقبِلا
وترى الجموعَ على الطريقِ توحُّدًا
لا فرقَ بينَ الناسِ عبدًا أو غِنى
الكلُّ يرتدي البياضَ تواضعًا
والكلُّ يرجو من كريمِ العرشِ ما
“لبَّيكَ” تهتفُ في الفؤادِ مهابةً
فتذوبُ أرواحُ العبادِ تعبُّدًا
وترى الدموعَ على الخدودِ نقيَّةً
كالماءِ يجري بالسكينةِ مُطرِقا
يا كعبةَ الرحمنِ يا نبضَ المدى
فيكِ الحنينُ يفيضُ شوقًا أعمقا
بيتٌ إذا لامستْهُ عينُ محبَّةٍ
ذابَ الأسى وتهاوتِ الأحزانُ خُطا
في الطَّوفِ سرٌّ لا يُفسِّرُهُ الورى
لكنَّهُ يُحيي القلوبَ إذا دنا
سبحانَ من جعلَ الطوافَ عبادةً
تمحو الذنوبَ وتزرعُ الإيمانَ ضِيَا
والركنُ يشهدُ كم دعاءٍ صادقٍ
صعدَ السماءَ فعادَ لطفًا واحتوى
يا زمزمًا يا نبعَ رحمةِ خالقٍ
في مائكِ العذبِ الشفاءُ لمن ظمَا
كم من فؤادٍ جاءَ يشكو حُزنَهُ
فسقيتِه أملًا فعادَ مُبتهجا
وعلى الصفا والمروَةِ التاريخُ قد
كتبَ الوفاءَ بحكمةٍ وتجلَّيا
هاجرُ هناكَ تُعلِّمُ الدنيا بأنْ
ربُّ السماءِ يُجيبُ قلبًا قد دعا
سعتْ وحيدةً والصحارى موحشاتٌ
لكنَّ يقينَ اللهِ كانَ لها حِمى
فجرى زمزمُ بالرحمةِ معجزةً
وبقيَ الدليلُ بأنَّ ربَّكَ ما نَسَى
يا مشهدَ “عرفاتَ” ما أسمى الرؤى
فيكَ القلوبُ تُفيقُ بعدَ تشتُّتا
وترى الدعاءَ يطوفُ فوقَ سمائهِ
وترى الملائكُ بالبشائرِ حيَّتا
هذا يُناجي والدموعُ غزيرةٌ
وذاك يرجو من كريمِ العرشِ ما
والشمسُ تشهدُ أنَّ ذاكَ الموقفَ الـ
عُلويَّ بابُ العفوِ فتحًا أوسعَا
اللهُمَّ هذا الجمعُ جاءكَ خاشعًا
فارحمْ عبيدًا بالذنوبِ قد ابتُلُوا
وامحُ الخطايا يا كريمُ فإنَّنا
نرجو رضاكَ وأنتَ أكرمُ من عفا
ثمَّ انطلاقُ الركبِ نحوَ “مزدلفةٍ”
ليلٌ من الإيمانِ يبدو مُقمِرا
والروحُ بينَ نجومِهِ متأمِّلٌ
أنْ يبلغَ الرحمنَ قلبًا أزهرا
وفي “منى” تمضي الجموعُ مكبِّرًا
ترمي الشياطينَ التي أغوتْ هوى
كأنَّ كلَّ حصاةِ صدقٍ أُرسِلَت
لتهدَّ صرحَ الذنبِ حتَّى يُمحَقا
الحجُّ مدرسةُ النفوسِ ونبعُها
فيه التواضعُ يستفيقُ ويزدهى
فيه المحبَّةُ والإخاءُ كأنَّها
نورٌ يُعانقُ كلَّ قلبٍ قد صفا
فيه السلامُ على الوجوهِ جليَّةً
وكأنَّ أرواحَ الحجيجِ بها سما
يا ليتَ شعري كيفَ يرجعُ حاجُّنا
بعدَ الحجازِ كما أتى متعثِّرا؟
لا بدَّ أنَّ القلبَ بعدَ طوافِهِ
صارَ النقاءَ وصارَ نورًا مُبصرا
الحجُّ ميلادُ النفوسِ من الأسى
وبه تُضاءُ الروحُ فجرًا مُشرِقا
فيه الدعاءُ إذا خرجتَ بصدقِهِ
تلقاهُ عندَ اللهِ بابًا مُفتَّحا
يا زائرَ البيتِ العتيقِ هنيئًا
نالَ الفؤادُ من السكينةِ مطلبا
هذي البقاعُ إذا مررتَ بظلِّها
شعرتَ أنَّ الكونَ أصبحَ مُورِقا
صلُّوا على الهادي النبيِّ محمَّدٍ
خيرِ البريَّةِ من أتى متخلِّقا
هو رحمةُ الرحمنِ أُرسِلَ هاديًا
وبنورِهِ أضحى الوجودُ مُشرِقا
يا ربَّ ارزقنا الحجوجَ جميعَنا
واجعلْ لنا بيتَ الحرامِ مُقرَّبا
واكتبْ لنا عندَ المقامِ سعادةً
تمحو الهمومَ وتزرعُ القلبَ الرضا
واجعلْ ختامَ العمرِ قربَ حبيبِنا
المصطفى الهادي الكريمِ الأطهرا
هذي القصيدةُ قد أتتْ متعطِّرًا
بشذى الحجازِ وروعةِ الإيمانا
الحجُّ بحرُ الطهرِ ما أعذبهُ
من ذاقَهُ عاشَ الحياةَ مُكرَّما

بقلم عزة كامل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

عبرة على بغداد بقلم الشاعر : محمد رشاد محمود

  عبرة على بغداد بقلم الشاعر : محمد رشاد محمود في العاشر من إبريل عام 2003 سكبتُ أبياتًا تحت عنوان “عبرةٌ على بغداد” وكان الجُرحُ لا يزالُ ي...