الخميس، 7 مايو 2026

داهمتني لحظةُ صدقٍ بقلم الاديب : عادل صبري شبل

 

داهمتني لحظةُ صدقٍ 



بقلم الاديب : عادل صبري شبل

حينما داهمتني لحظةُ صدقٍ لم أكن أترقّبها، وجدتُ نفسي واقفًا على حافةِ سؤالٍ كبير، لا مهرب منه ولا التفاف حوله.
سكونٌ ثقيلٌ خيّم على روحي، كأن الزمن توقّف قليلًا ليمنحني فرصةً أن أنظر إلى نفسي كما هي، بلا تزييفٍ ولا ادّعاء.
لم يكن ما شعرتُ به خوفًا من انطفاء الجسد، ولا رهبةً من نهايةٍ محتومة؛
فالموتُ — في يقيني — بابٌ لا بدّ لكلِّ حيٍّ أن يطرقه،
ولكن الذي أربكني حقًّا، وأثقل صدري، هو ما بعد ذلك الباب…
حيث لا ينفع تبرير، ولا تُجدي حيلة، ولا يُقبل إلا الصدق الخالص.
وقفتُ مع نفسي وقفةَ محاسبةٍ صادقة، كأنني أستعرض عمرًا مضى في لحظات،
أقلّب صفحاته صفحةً صفحة،
فأجد في كل صفحةٍ ما يستوقفني، وما يُخجلني، وما يُربكني.
أبحث عن حسناتٍ أتشبّث بها،
فأراها قليلةً متفرّقة، كنجومٍ باهتةٍ في ليلٍ طويل،
وأتساءل في وجل: أكانت خالصةً حقًّا؟ أم شابها ما يُفسد صفاءها؟
ثم أنظر إلى ما اقترفتُ من تقصير،
فأجده أقرب، وأوضح، وأثقل حضورًا في ميزان نفسي،
كأنّه دينٌ يتراكم بصمت، حتى إذا التفتُّ إليه وجدته قد أحاط بي من حيث لا أدري.
وهناك… في عمق تلك اللحظة،
تبدّى لي شعورٌ آخر، لا يقلُّ قسوةً ولا صدقًا؛
كأنني أُوشك أن أشرع في رحلةٍ طويلةٍ جدًّا،
رحلةٍ لا يُدرك مداها، ولا يُعرَف منتهاها،
تحتاج من الزاد والعتاد ما يكفيها ويُعين على مشقّتها،
غير أنني — ويا لحسرتي — وجدتني واقفًا على أعتابها بيدٍ فارغة،
لم أُحسن الإعداد، ولم أُحكم التهيؤ،
وكأن الرحيل قد داهمني قبل أن أُتمّ عدّتي،
وقبل أن أملأ زادي بما ينفعني في طول الطريق ووحشته.
عندها شعرتُ بشيءٍ يشبه الانكشاف الكامل،
كأن الحُجُب قد رُفعت،
وكأنني أرى نفسي بعينٍ لا تجامل، ولا تُغفل، ولا ترحم.
لم أعد أخشى النهاية في ذاتها،
بل صرتُ أخشى الوقوف بعدها…
حين يُسأل المرء عمّا قدّم،
وحين تُعرض الأعمال كما هي، بلا تأويلٍ ولا تزويق.
تسلّل إلى قلبي شعورٌ ثقيل،
شعورُ من أدرك فجأةً أنه لم يُعِدّ الزاد كما ينبغي،
وأن الطريق أقرب مما كان يظن،
وأن اللحظة التي كان يؤجّلها قد تكون أقرب إليه من كلّ تأجيل.
فيا لثِقَلِ تلك المعرفة حين تستقرّ في القلب،
ويا لمرارة أن يشعر الإنسان بأن رصيده لا يكاد يسعفه،
وأن ما كان يظنه كثيرًا، قد لا يكون كذلك عند الميزان الحقّ.
ومع ذلك…
لم يكن هذا الخوف يائسًا، ولا قاطعًا للرجاء،
بل كان خوفًا يوقظ،
ويرجف القلب ليُعيده إلى موضعه الصحيح،
خوفًا يدفع إلى التعلّق بما تبقّى من فرصة،
وإلى الرجاء في رحمةٍ وسعت كلّ شيء.
إنها لحظة بين الخوف والرجاء،
بين انكسار النفس وأملها،
بين إدراك التقصير والتشبّث ببابٍ لا يُغلق.
وهنا فقط…
شعرتُ أن الحزن لم يكن ضعفًا،
بل كان بدايةَ وعيٍ لم أعرفه من قبل،
وبدايةَ طريقٍ أرجو أن ينتهي بي حيث يُغفر الزلل، وتُجبر الكسور.
فيا ربّ…
إن كان في العمر بقيّة، فاجعلها جبرًا لما انكسر،
وإن كان اللقاء قريبًا، فاقبل عبدًا جاءك بقلبٍ خائف،
يرجو، ولا يملك إلا الرجاء.

بقلم. عادل صبري شبل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

عبرة على بغداد بقلم الشاعر : محمد رشاد محمود

  عبرة على بغداد بقلم الشاعر : محمد رشاد محمود في العاشر من إبريل عام 2003 سكبتُ أبياتًا تحت عنوان “عبرةٌ على بغداد” وكان الجُرحُ لا يزالُ ي...