الجمعة، 5 يونيو 2026

لِمَ ضَحِكْتَ عَلَيَّ يَا مَارْك تُوَيْن بقلم القاص : د. عبد الرحيم الشويلي


لِمَ ضَحِكْتَ عَلَيَّ يَا مَارْك تُوَيْن



بقلم القاص : د. عبد الرحيم الشويلي


«أَصْدِقَاءٌ جَيِّدُونَ، وَكُتُبٌ مُفِيدَةٌ، وَضَمِيرٌ مُرْتَاحٌ: هَذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الْمِثَالِيَّةُ.»
مارك توين
قِصَّةٌ قَصِيرَةٌ
لِمَ ضَحِكْتَ عَلَيَّ يَا مَارْك تُوَيْن؟

كَانَ عَبْدُ الْجَبَّارِ يَقُولُ دَائِمًا إِنَّ الْبَشَرَ لَا يَسْتَحِقُّونَ الثِّقَةَ، وَإِنَّ الْحَيَاةَ كُلَّهَا مَجَرَّدُ مَكْتَبِ شَكَاوَى كَبِيرٍ يَقِفُ فِيهِ الْجَمِيعُ بِانْتِظَارِ دَوْرِهِمْ فِي الْخَيْبَةِ.
وَكُلَّمَا سَمِعَ أَحَدًا يَتَحَدَّثُ عَنِ الْأَمَلِ، يَبْتَسِمُ ابْتِسَامَةً صَفْرَاءَ وَيَقُولُ:
«الْأَمَلُ هُوَ الطَّرِيقَةُ الْمُهَذَّبَةُ لِتَأْجِيلِ الْكَارِثَةِ.»
كَانَ عَبْدُ الْجَبَّارِ يُرَدِّدُ بِسُخْرِيَةٍ:
«أَصْدِقَاءٌ جَيِّدُونَ؟ هَؤُلَاءِ يَخْتَفُونَ عِنْدَ أَوَّلِ دَيْنٍ.
وَكُتُبٌ مُفِيدَةٌ؟ لَمْ أَرَ كِتَابًا يَدْفَعُ فَاتُورَةَ الْكَهْرَبَاءِ.
أَمَّا الضَّمِيرُ الْمُرْتَاحُ فَهُوَ أَخْطَرُ أَنْوَاعِ الْغَبَاءِ!»
كَانَ يَعِيشُ وَحِيدًا فِي غُرْفَةٍ ضَيِّقَةٍ، لَا أَصْدِقَاءَ لَهُ سِوَى بَقَّةٍ عَجُوزٍ تَظْهَرُ لَيْلًا فَوْقَ الْوِسَادَةِ، وَلَا كُتُبَ عِنْدَهُ غَيْرُ دَفْتَرِ دُيُونٍ مُتَّسِخٍ، أَمَّا ضَمِيرُهُ فَكَانَ مُتْعَبًا لِدَرَجَةٍ أَنَّهُ يَشْخُرُ كُلَّ لَيْلَةٍ.
وَفِي اللَّيَالِي الطَّوِيلَةِ، كَانَ يُحَاوِرُ نَفْسَهُ كَأَنَّهُ يَجْلِسُ فِي مَحْكَمَةٍ لَا قَاضِيَ فِيهَا سِوَى الْخَيْبَاتِ الْقَدِيمَةِ.
كَانَ يَقُولُ لِنَفْسِهِ:
«لِمَاذَا يَقْرَأُ النَّاسُ الْكُتُبَ؟ لِكَيْ يَتَعَلَّمُوا كَيْفَ يَتَأَلَّمُونَ بِأُسْلُوبٍ أَرْقَى؟»
ثُمَّ يَضْحَكُ وَحْدَهُ ضَحْكَةً قَصِيرَةً جَافَّةً، وَيُشْعِلُ سِيجَارَتَهُ الرَّخِيصَةَ، وَيُكَلِّمُ السَّقْفَ:
«الْكُتُبُ تُقْنِعُ الْفُقَرَاءَ أَنَّ الْحِكْمَةَ تَعْوِيضٌ مُحْتَرَمٌ عَنِ الْمَالِ.»
وَكَانَ أَكْثَرُ مَا يُثِيرُ غَضَبَهُ هُوَ كَلِمَةُ “الصَّدِيق”.
كَانَ يَرَاهَا كَلِمَةً تُسْتَعْمَلُ كَاسْمٍ مُسْتَعَارٍ لِلْمَصْلَحَةِ الْمُؤَقَّتَةِ.
لِذَلِكَ كَانَ يَقُولُ:
«الصَّدِيقُ الْحَقِيقِيُّ مِثْلُ الْعَنْقَاءِ… يَتَحَدَّثُ الْجَمِيعُ عَنْهُ، وَلَكِنْ لَا أَحَدَ رَآهُ.»
ذَاتَ صَبَاحٍ، قَرَّرَ أَنْ يُجَرِّبَ «الْحَيَاةَ الْمِثَالِيَّةَ» كَمَا قَالَ مَارْك تُوَيْن.
اشْتَرَى كِتَابًا، وَدَعَا صَدِيقًا قَدِيمًا، وَحَاوَلَ أَنْ يُصَالِحَ ضَمِيرَهُ.
وَقَبْلَ أَنْ يَصِلَ الصَّدِيقُ، نَظَرَ إِلَى الْمِرْآةِ طَوِيلًا، وَقَالَ بِنِبْرَةٍ مُرْتَبِكَةٍ:
«تَخَيَّلْ… بَعْدَ سِتِّينَ سَنَةً مِنَ التَّشَاؤُمِ، قَدْ أَكُونُ أَنَا الْمُخْطِئَ.»
لَحْظَتَهَا شَعَرَ بِخَوْفٍ حَقِيقِيٍّ.
لَيْسَ خَوْفَ الْخَسَارَةِ… بَلْ خَوْفَ أَنْ يَكُونَ الْعَالَمُ أَطْيَبَ مِمَّا ظَنَّ، وَأَنَّهُ أَضَاعَ عُمْرَهُ وَهُوَ يَرْكُلُ الْأَبْوَابَ الْمُوصَدَةَ قَبْلَ أَنْ يُجَرِّبَ فَتْحَهَا.
فِي الْمَسَاءِ...
سَرَقَ الصَّدِيقُ الْكِتَابَ، وَهَرَبَ بِبَقِيَّةِ النُّقُودِ،
وَبَقِيَ الضَّمِيرُ مُسْتَيْقِظًا حَتَّى الْفَجْرِ يَسْأَلُهُ بِغَضَبٍ:
«مَنْ هُوَ الْأَحْمَقُ الَّذِي صَدَّقَ مَارْك تُوَيْن؟».

القاص .د. عبد الرحيم الشويلي
القاهرة
1.جون.حزيران.2026م.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

عبرة على بغداد بقلم الشاعر : محمد رشاد محمود

  عبرة على بغداد بقلم الشاعر : محمد رشاد محمود في العاشر من إبريل عام 2003 سكبتُ أبياتًا تحت عنوان “عبرةٌ على بغداد” وكان الجُرحُ لا يزالُ ي...