المُكَاءُ والتَصْدِيَةُ
بقلم الشاعر : ابو الورد الفقيه
أرَأيْتَ يا رَبِّيْ
يَوْمَ خَلَقْتَنا بِقَدَرٍ، فَكُنَّا على حَدِّ السَواءِ، وأمَرْتَنا أَنْ نَسِيْرَ في الأرْضِ جَمِيْعاً، ونَنْظُرَ كَيْفَ كانَتْ عاقِبَةُ المُجْرِمِيْنَ؟!.
وَهُمُ المُجْرِمُوْنَ الذٍيْنَ لَمْ يَتَوانَوا بِصَلْيِهِمْ عَنَّا، بَلْ أجْرَمُوا فِيْنا، وجَرَمُوْا أُسَّ"العَقْلِ عَنْ مَنْطِقِهِ" ابْتِداءً، وأبْعَدُوْهُ عَنْ مَنازِلِ التَّمْكِيْنِ، والحُضُوْرِ، بِذا يَكُوْنُوا قَدْ أهانُوْهُ، وأزْمَعُوا يُطَوِّعُوْنَهُ، للْإنْصِيَاعِ الى أوامِرِ الحَواسِ النافِلَةِ، والناقِلَةِ لأثَر السَلَفِ مِنَ الرَّيْبِ، والتأوِيْلِ، والجَدَلِ المُسْتَحِيْلْ!.
أوَلَمْ يَعْلَمْ هَؤُلاءْ الصَّغَرَةِ الصَّعَرَةِ؛ أنَّ قُوَّةَ العَقْلِ في مَنْطِقِهِ، وضَعْفَهُ في قَطْعِهِ، وانْفِصالِهِ، فالعقلُ المنطقي لا يَرَى إلَّا الحُلُوْلَ المُيَسَّرَةِ، والعَقْلُ الضَعِيْفُ لا يَرَى إلا المَعاضِلِ المُعَسَّرَةِ!.
حَتَّى سَلَكُوا فِيْ ذلِكَ السَبِيْلِ مَسَالِكَ، ومَفَارِعَ أُخَرٍ، يَشِيْبُ مِنْها الخَلْقُ الآخَرِ، مِنَ البَهِيْمَةِ، والنَبْتِ البَهِيْجِ!.
فَلَقَدْ ضَيَّقُوا عَلَيْنا الخِنَاقَ، وجَعَلُوا مِنْ ذُلِّنا مَفاتِحَ أرْزاقِنا، وأوْضَعُوا الكَرِيْمَ فِيْنا، وَرَفَعُوا الْلَّئِيْمَ فَوْقَنا، وقَطَّعُوْا أيْدِيَنا، وأرْجُلَنا مِنْ خِلافٍ، لخَوْفٍ، ومَنْقَصَةٍ، وَضَعْفٍ في أنْفُسِهِمْ!.
وأمَّا أيْدِيَنا، فَقَدْ قَطَّعُوْها، كَيْ يَمْنَعُوْا أَصابِعَنا مِنَ "المُكاءِ"، وكَفَّيْنا مِنَ "التَصْدِيَةِ"، وأمَّا أرْجُلُنا، فَيا لِعارِ مَا ذَهَبُوا إلَيْهِ مِنْ هَلَعٍ مِنْها قَدْ مَسَّ شِغافَهُمْ، وَظَنُّوا بأنَّنا سَنَهْرُبُ رِجالاً مِنْ سًاحِ القِتالِ، والوَغَىْ، ونَجْبُنُ عِنْدَ اقْتِرابِ النِّزالِ، والبَلَى!.
أوَلَمْ يَعْلَمْ هَؤُلاءْ الصَّغَرَةِ الصَّعَرَةِ؛ بأنَّا حِيْنَ البَأْسِ، سَنْدْفَعُ بَعْضَنا بِبَعْضٍ، وَهُمْ ثُلَّةٌ مِنًّا، وفِيْنا، أَوَلَوْ كانُوا لَنا باغِضِيْنَ، أوْ كارِهِيْنَ؟!.
إنَّهُمْ يَتَأبَّطُوْنَ بٍمَثالِبِ الشَرِّ، الذِي إلَيْهِ يَلْجَؤُوْنَ!.
أوَلَمْ يَعْلَمْ هَؤُلاءْ الصَّغَرَةِ الصَّعَرَةِ؛ إنَّ ضِدَّ، ونَقِيْضَ الشَرِّ هُوَ المُقاوَمَةْ، ولَيْسَ الخَيْرُ الذِيْ يَحْتَمِي، ويَتَحَصَّنُ بِهَا، فالْخَيْرُ كُلّْ الخَيْرْ، فِيْ أنْ تُرافِضَ، وتُقَاوِمْ، والشَرُّ كُلّْ الشَرِّ في أنْ تُهادِنَ، وتُساوِمْ!".
((وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً ۚ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ)).
القَطْعُ: الكَفُّ والمَنْعُ.
المُكَاءُ: الصَفِيْرُ.
التَصْدِيَةُ: التَصْفِيْقُ".
ابو الورد الفقيه






