الفراغ الذي ينظر إليك
بقلم الأديب :طارق غريب - مصر
نادية ( امرأة في الرابعة والأربعين من عمرها
أستاذة فلسفة سابقة في الجامعة
ترتدي بلوزة سوداء بسيطة وبنطالاً قديماً
شعرها مربوط بإهمال
عيناها متعبتان لكنهما تحملان بريقاً ساخراً عميقاً
جدران بيضاء عالية جداً ، كرسي خشبي قديم
مكتب مليء بأوراق مبعثرة وكتب مفتوحة
ساعة حائط كبيرة بلا عقارب
نافذة صغيرة تطل على ظلام تام
الإضاءة باردة تتغير تدريجياً مع تطور الحركات
( ترتفع الستارة ببطء . الغرفة في شبه ظلام
تدخل نادية من الجانب بخطى ثقيلة
تحمل كوب قهوة بارد ، تضعه على المكتب
ثم تقف في وسط الغرفة وتنظر إلى الجمهور طويلاً
صمت مطبق لعشر ثوان. تبتسم ابتسامة مريرة )
نادية : ( بهدوء عميق ، كأنها تخاطب نفسها أولاً )
أهلاً ، أنا نادية ، أو لعلني لم أعد أنا
السؤال الوحيد الذي عجزت عن الإجابة عنه طوال حياتي :
هل أنا التي تتكلم ، أم الفراغ الذي يسمع؟
( تجلس على الكرسي ببطء ، تفتح دفتراً قديماً ، تنظر إلى صفحة فارغة)
اليوم ، اليوم سأروي لكم كل شيء
لست أروي لأفهم ، فالفهم نفسه وهم
أروي لأثبت لكم ولنفسي
أن الوجود مجرد قصة طويلة جداً ، مملة ومكررة
وأنا المؤلف والشخصية والقارئ في آن واحد
( تقف فجأة ، وتبدأ تمشي في دائرة بطيئة حول الكرسي )
دعوني أبدأ من البداية
كنت أستاذة فلسفة في الجامعة
كنت أدخل المدرج كل يوم ، أقف أمام مئات الطلاب
وأتحدث عن سارتر وعن هيدجر وعن كامو
عن الوجود الذي يسبب لنا الغثيان
كنت أقول لهم : ' الإنسان محكوم بالحرية '
( تضحك ضحكة قصيرة ساخرة )
يا للعجب! محكوم بالحرية
ماذا يعني ذلك؟ يعني أنني كنت حرة
في أن أختار الزواج من رجل يخونني
ليس مع امرأة أخرى ، بل مع نسخة أفضل مني
نسخة لا تتعب ولا تحزن ولا تسأل : ' لماذا أنا موجودة أصلاً؟
كنت أقف في المطبخ أغسل الأطباق
وأفكر : لو كانت الذاكرة مجرد قصة نرويها لنستمر في الوجود
فمن المؤلف الحقيقي؟
( تقلد صوت رجل عميق )
' نادية ، أنتِ دائماً تفكرين أكثر مما ينبغي ، كوني مثل سائر الناس '
( تعود إلى صوتها الخاص )
هذا كان صوت زوجي
كان يحب أن يقول ذلك وهو ينظر إلى هاتفه
ثم يذهب ليحدث النسخة الأخرى عن أنني ' معقدة '
( تمشي نحو المكتب ، ترفع ورقة عشوائية ، تقرأ منها بصوت مكسور )
في اليوم الذي تخرجت فيه ، كنت أظن أن الحياة ستبدأ
في اليوم الذي تزوجت فيه ، كنت أظن أن الحياة ستكتمل
في اليوم الذي اكتشفت فيه الخيانة ، كنت أظن أن الحياة ستنتهي
لكن الحياة لا تكتمل ولا تنتهي
إنها فقط تستمر ، تستمر كفيلم ممل
والجمهور عاجز عن النهوض والمغادرة
( تجلس على الأرض فجأة ، تفتح كتابًا قديماً ، تقلب صفحاته بسرعة )
كنت أحفظ كامو عن ظهر قلب : ' يجب أن نتخيل سيزيف سعيداً
( تضحك بمرارة )
سيزيف! كنت أنا سيزيف ، لكن بدون الصخرة
الصخرة كانت الوهم بأن هناك معنى
كنت أبحث عن المعنى في كل شيء :
في الحب ، في العمل وفي الطلاب الذين
كانوا ينظرون إلي كأنني أعرف الإجابة
لكن المعنى ، غير موجود
المعنى شئ نخترعه كي ننام ليلاً
( تقف ، تقلد صوت أبيها المتوفى ، صوت هادئ متعب )
' يا بنيتي ، هذه الدنيا لن تفهمك ، كوني عملية '
( تعود إلى صوتها )
مات أبي وهو يقول ذلك
مات وهو يظن أنني لا أزال ' ابنته الصغيرة '
لكنني كبرت ، وهو مات ، والذاكرة صارت قصة مزيفة
أنا الآن لست متأكدة مما إذا كان قد قال ذلك فعلاً
أم أنني أنا من كتبت هذه الجملة في ذهني كي أستمر
( تمشي نحو النافذة ، تنظر إلى الظلام )
تخيلوا لو كانت الذاكرة كلها مجرد فيلم يُعاد
كل مرة أفتح فيها عيني صباحاً أعيد المشهد نفسه
الندم نفسه. السؤال نفسه :
' لو اتخذت قراراً مختلفاً ، من كنت سأكون؟ '
لكن القرار المختلف غير موجود
لأن الزمن لا يعود ، الزمن يسرقنا
( تبدأ تمشي في دوائر أضيق ، خطواتها أسرع ، صوتها يتسارع )
الزمن ، الزمن لص
يسرق منا اللحظات التي كانت ستغير كل شيء
ويترك لنا الندم على أشياء لم نفعلها بعد
كان لدي عرض زواج من رجل مختلف تماماً
كان هادئاً وكان يفهمني ، وكان يقرأ نيتشه ويضحك
كان سيصبح النسخة التي كنت أحلم بها
لكنني رفضته ، لماذا؟ لأنني كنت خائفة
خائفة من أن تصبح الحياة ' مكتملة ' ، فأفقد القدرة على السؤال
( تتوقف ، تتنفس بصعوبة ، تعيد الحركة نفسها لكن ببطء أكبر )
هذه اللحظة ، اللحظة التي رفضت فيها ، تتكرر كل يوم
كل صباح أستيقظ ، أعيد المشهد
' لو قبلت كنت سأكون سعيدة
' لو رفضت أنا الآن هنا
( تكرر الجملة بصوت مختلف كل مرة : أعمق ، أعلى ، أهدأو)
لو قبلت ، لو رفضت
لو قبلت ، لو رفضت
( تدور أسرع ، صوتها يرتفع )
قال سارتر : ' الإنسان محكوم بالحرية '
محكوم!
ماذا يعني أن يكون المرء محكوماً بالحرية؟
يعني أنني حرة في الاختيار
لكن هذا الاختيار يحكمني إلى الأبد
أنا الآن محكومة بندم على شيء لم أفعله
محكومة بفراغ ، فراغ لم يحدث بعد
الزمن سرق المستقبل قبل أن يوجد
( تجلس على الكرسي ، تتكلم ببطء شديد ، كأنها في حلم )
أنا أعيش في دائرة
كل يوم أدخل هذه الغرفة ، كتب الورقة نفسها
أشرب القهوة الباردة نفسها ، أسأل السؤال نفسه
' من أنا؟ ' والإجابة دائماً ' أنا التي تسأل ' ، لا أكثر
كان الطلاب يسألونني : ' دكتورة نادية ، ما معنى الحياة؟
كنت أرد : ' المعنى أن تبني معنى '
( تضحك ضحكة طويلة ، ثم تنهار فجأة وتبكي دون صوت )
كنت كاذبة. كنت كاذبة. لم نبنِ شيئاً
نبني قصصاً كي نهرب من الفراغ
( تنخفض الإضاءة تدريجياً ، حتى يبقى وجهها مضيئاً فقط
تقف أمام الجمهور مباشرة ، تنظر في أعينهم واحداً تلو الآخر )
الآن ، الآن انتهى الأمر. سأتحدث إليكم مباشرة
لست أتحدث إلى نفسي. بل إليكم أنتم
( صوتها هادئ مخيف في هدوئه )
أنا لست نادية. أنا أنتم
أنا كل مرة قلتِ فيها ' أنا ' وأنتِ تعلمين أنكِ تكذبين
أنا كل مرة سألتِ نفسكِ: ' لو متّ الآن هل سيلاحظ أحد؟ '
أنا الفراغ الذي يقع بين كل كلمة تقولونها والصمت الذي يليها
(تمشي ببطء نحو حافة المسرح
ترفع يدها كأنها تمسك بشيء غير مرئي )
انظروا ، لست بحاجة إلى مرآة كي أرى نفسي
أنا أراكم. أنتم من يرونني
أنتم الفراغ الذي بيني وبين نفسي
كل واحد منكم جاء هنا اليوم
كي يهرب من فراغه الخاص
جاء ليرى نادية
كي يقنع نفسه بأن هناك شخصاً آخر يعاني مثله
لكن الحقيقة ، أن هذا الفراغ مشترك
ليس ملكي وليس ملككم
بل هو الذي يملكنا جميعاً
( يرتفع صوتها تدريجياً ، تصرخ بقوة ثم تهدأ )
عشت أربعين سنة أبحث عن ' الذات '
هل وجدتها؟ وجدت أن الذات وهم
وهم جميل ، مريح ، لكنه وهم
الوجود لا يحتاج ذاتاً
الوجود يحتاج استمراراً
استمراراً في السؤال والدوران والفراغ
( تنظر إلى الجمهور طويلاً ، صمت خمس عشرة ثانية )
الآن ، سأطرح عليكم سؤالاً واحداً
لن تجيبوا بصوتكم. ستجيبون بصمتكم
( تهمس )
من الذي يتكلم الآن؟ أنا
أم أنتم ، الذين كنتم تستمعون طوال الوقت
وتظنون أنكم مجرد متفرجين؟
( تنطفئ الأنوار تدريجياً ،حتى يغرق المسرح في ظلام دامس
يبقى صوت نادية فقط
يرتفع تدريجياً من الهمس إلى الصرخة الهادئة المرعبة
ثم ينفجر في قوة فلسفية مدوية )
نادية: ( بهمس أولاً ، ثم يتصاعد الصوت ببطءز)
الآن ، الفراغ يسمع
( صمت قصير ، ثم صوتها يصبح أقوى وأعمق
كأنه يأتي من أعماق الوجود نفسه )
والفراغ لا يرد ، الفراغ يبتلع
( ترتفع نبرتها فجأة ، صوتها يملأ الظلام كله )
أنا لست سوى صدى صرختكم التي لم تطلقوا بعد!
أنا الندم الذي لم تعيشوه ، والحرية التي تخشونها
والدائرة التي تدورون فيها دون أن تدركوا أنكم أنتم من يدور!
( تصرخ بقوة هائلة ، لكن ببطء ووضوح ، كل كلمة تدوي )
انظروا إلى أنفسكم الآن! في هذا الصمت المطلق
من الذي يتنفس؟ من الذي يخفق قلبه؟
من الذي يخشى أن يختفي إذا توقف عن السؤال؟
( تهدأ نبرتها فجأة إلى همس مرعب وبارد ، يصل إلى كل متفرج )
أنا نادية ، وأنا أنتم
وإذا خرجتم من هذه الغرفة اليوم دون أن تحملوا الفراغ معكم
فستكونون قد كذبتم على أنفسكم مرة أخرى
( صوتها يصبح أقرب إلى الجمهور ، كأنها تقف بينهم )
الآن ، ارفعوا رؤوسكم.
انظروا إلى الظلام الذي أمامكم.
هذا الظلام ، ليس فارغاً
هذا الظلام ، ينظر إليكم
( صمت مطبق طويل جداً
ثلاثون ثانية على الأقل
ثم صوت خطوات خفيفة بطيئة تبتعد في الظلام
تتلاشى تدريجياً حتى يختفي الصوت تماماً
يبقى الصمت المطلق يسيطر على القاعة لدقائق
قبل أن تنزل الستارة ببطء شديد )
ستار
طارق غريب - مصر