حين يهلُّ شهرُ رمضان لا يجيء وحده
بل تصاحبه نسائمُ رحمةٍ تُربّت على القلوب المتعبة
وتهمس في آذان الغافلين: عودوا… فالباب ما زال مفتوحًا
في هذا الشهر تتخفف الأرواح من أثقالها
وتتعرّى القلوب من أعذارها القديمة
ويقف الإنسان أمام نفسه بلا أقنعة
يرى تقصيره كما يرى ظله تحت شمس الحقيقة
التوبة الصادقة ليست كلمةً تُقال
ولا دمعةً عابرةً تذوب مع لحظة خشوع
بل هي انقلابٌ داخليٌّ هادئ
ينقل المرء من ضيق الذنب إلى سعة الرجاء
هي أن تعترف بخطئك دون أن تبحث له عن مبرر
وأن تُقرّ بتقصيرك دون أن تُلقي اللوم على أحد
وأن تشعر بوخز الندم كأنه جرسُ إنذار
يدعوك إلى طريقٍ أكثر صفاءً ونقاءً
في رمضان يصبح الليل مرآةً صافية
تنعكس فيها خبايا الروح
وحين يطول السجود
تقترب المسافات بين العبد وربه
فتذوب القسوة
وتلين القلوب التي أرهقتها الذنوب
التوبة الصادقة أن تترك الذنب لأنك كرهته
لا لأنك عجزت عنه
وأن تُبدّل العادة السيئة بعادةٍ حسنة
وأن تجعل من الصيام سياجًا يحمي إرادتك
هي أن تردّ المظالم إلى أهلها
وتعتذر عمّن آذيته يومًا بكلمةٍ جارحة
وأن تمسح عن قلبك غبار الحسد والضغينة
كما تمسح الغبار عن نافذةٍ تريد لها أن تستقبل الضوء
رمضان فرصة لا تتكرر في العمر كثيرًا
هو محطة مراجعةٍ كبرى
نفتح فيها دفاتر أيامنا الماضية
ونحصي ما فيها من تقصيرٍ وأخطاء
ثم نطوي الصفحة بعزمٍ جديد
التوبة الصادقة ليست خوفًا فقط
بل هي حبٌّ أيضًا
حبٌّ يدفعك لأن تكون أفضل
لأن ترتقي بأخلاقك
ولأن تُصلح سرك وعلانيتك
هي وعدٌ تعقده مع نفسك
أن لا تعود إلى ما يُثقِل روحك
وأن تجعل من كل يومٍ في رمضان خطوةً إلى الأمام
لا التفاتةً إلى الوراء
وحين تنقضي أيام الشهر الفضيل
لا ينبغي أن تنقضي معه التوبة
فالتوبة الصادقة لا ترتبط بزمان
بل تنبع من قلبٍ أيقن أن الطريق إلى الله لا يُغلق
ما أجمل أن يخرج المرء من رمضان
وقد خفّت أوزاره
وانشرح صدره
وشعر أن صفحةً بيضاء قد فُتحت له من جديد
هناك في أعماق القلب
ينبت الأمل كما ينبت الغيث في الأرض العطشى
وتصبح التوبة نورًا يُضيء ما بقي من العمر
ودليلًا يرشد الخطى كلما تعثرت
هكذا يكون رمضان موسم العودة
ومحراب المصالحة مع النفس
وميلادًا جديدًا لروحٍ قررت أن تسير في درب الطهر
وقد أدركت أن التوبة الصادقة
ليست نهاية حكاية الذنب
بل بداية حكاية النقاء
بقلم : جمال الشلالدة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق