السبت، 28 فبراير 2026

رسائل لم تصل بعد: بقلم الأديب: عقيل هاشم..العراق

 

رسائل لم تصل بعد



بقلم الأديب: عقيل هاشم..العراق

الزقاق الذي اسكنه يجمع الوان من الشخصيات باطوار مختلفة ، يغلب عليها الوعي والثقافة ومقارعة الانظمة ، لا عجب في ذلك؛ لقد مكثتُ هنا أكثر من عشر سنوات، رأيت فيها وجوهًا وعقولاً مناضلة تعي ما يجب أن تفعله، وآخرون تسير بهم أقدامهم حيث تسير، من بين هؤلاء قصة السيد حامد النازي، نعم السيد حامد وكنيته النازي فلم يكن يجد غضاضة في هذا اللقب، سائق القطار رجل طيب بمعنى الكلمة . لم يؤذ أحدا , تراه مبتسما دائما , خدوما لا يتأخر عن مساعدة أي أحد من اهالي الزقاق ، في وقت اجازته يلبس بجامته الحريرية عليها روب لاصف ، يقف في الباب ممسكا سيكارته الاجنبية يتامل لعب الاطفال وشغفهم ،كثيرا ما كنت أراه وهو يرشف كوب الشاي بصوت واضح , ثم يمسح منخاره بطرف منديله الابيض كلما احتاج لذلك ، يعيش في داره وحيدا مع ذكرياته وحزنه واضح على سلوكه ربما بسبب نضوب الرسائل التي تاتي اليه من المانيا ومعرفة اخبار مايريد معرفته عن الاصدقاء ، المرض الذي ظهر عليه بصورة واضحة جعله يبحث عن صديق ، الصدفة جعلتني جاره والمقرب منه ، ازوره كل حين، كنت اعشق المطالعة ومكتبته العامرة بالادب الالماني تغريني ، دائما ماكان يسمع اغاني عبد الوهاب ويطرب لها ،عشقت المكتبة حين بدا يقدم لي الرجل النازي هتلر بصورة لا اعرفها قال لي ذات مرة ، هتلر شخصية فنية تعشق فن الرسم ، نعم انه فنان فاشل لكنه يرسم اللوحات بمهارة في بداية حياته وفشله في ذلك جعله قريبا من عقد نفسية ادت الى انهيار المانيا ، في احدى المساءات انتظرته وهو عائد من عمله الليلي خفيراً في محطة القطار ، ورحت أزوره اتناول معه الشاي ، وقبل أن أنطق كان يبادرني بتحية ودودة ،ولذلك كنت أسعد بهذه التحية , فأزفر من أعماق صدري ، دلالة على الرضا , كان يقدرني ويحترمني حين وجدني عاشق للكاب ،كان يعيرني كتبه الثمنية عن الفن التشكيلي للمدرسة الالمانية ، كتب المكتبة مصادر على قدر من الاهمية جلبها السيد حامد من المانيا حين ترسله دائرية الى دورة تخص القطارات فيعود محملا بها ،عمله هذا مضني جدا بسبب سهر الليالي يعود منهكا من عمله الليلي الى فراشه ،هذا ما يفعله الخفير عادة ، في اليوم التالي اقصده استمتع بحديثه عن القطارات والمواقف الحزينة لوداع الاحبة في المحطات ، جلستنا والتي كانت تطول إلى منتصف الليل ، رغم شدة البرد في الشتاء إلا أن كثرة الأنفاس والنار التي لا تخبو في الموقد التي لا تهدأ وصوت عبد الوهاب يغني للوبور الرايح على فين ، وأكواب الشاي كان هذا كفيلا بإشاعة الدفء في المكان ، وحين ينتهي السيد حامد من كلامه أذهب الى البيت متأخراً متسللا الى مخدعي تاركا السيد حامد وهو على وشك النوم مغلقا الباب خلفي ، أسير في الظلام مستهديا بنور القمر أو بالأضواء المتسللة من بعض البيوت التي لم تنم بعد ، كنت طوال الطريق أفكر في شئ واحد هو لماذ لم توجد في حياته امراة تسليه في هذا الليل البارد ،في المساء التالي حدثته عن الامر وانا متردد في الخوض في خصوصية الرجل ، تطلع في وجهي وتبتسم ، وانا استمع دون تعليق لمايقول ، قال لي تعرفت على سيدة في المانيا في المترو وعشقنا بعضنا بشكل لايصدق ، اما عن اللغة فقد كنت اجيد اللغة الالمانية بطلاقة مما سهل علينا التعبير بمشاعر لاتوصف ، كنا نسهر الليل في النوادي ونكمل السهرة في شقتها كل ليلة ، نمرح ونرقص تحت المطر ، تركته يكمل قصته والتي لا يقطعها سوى صوت رشفته لكوب الشاي والتي تعلو وتخفت أحيانا حسب إيقاع الكلام ، قال لم اكن اعلم انها مصابة بمرض عضال ادخلها المشفى لايام ونصحوها الاطباء بالحقن الكيمياوي جرعة بعد اخرى ،وفي احدى الايام داهم تلك السيدة نوبة غيبوبة جعلتها تفقد ذاكرتها ، عند ذلك صمت وراح يتململ وأبى ان يكمل الحديث عنها ، ودعتها وعدت الى الوطن بعد انتهاء الدورة ، وبدأ في القيام من مكانه الدافئ يتحرك بارتباك. مشى قليلاً إلى أماكن غير محددة، توقف محاولاً تذكر أين يريد أن يمضي، وقف امام مشجب الكتب وسحب مضروفا فيه رسائلهم وصور كبيرة ملونه لها ، الصورة تظهر سيدة ولبث حائرا يتلفت في اطارها المذهب ، وقد كشفت الصورة من أعلى وجهها الوردي ، ضوء بسيط يسقط على جيدها اللامع والنحيل فيكشف رقتها ،كانت ترتدي قميصها الوردي الذي يبدو لي قاتما خلال الضوء القادم من مصباح مضاء في الصالة ، فانظر إلى عينيها اللامعتين بحزن وكانها تهمس لمن يراها ،عندها توقف عن الكلام ، ودعني معلنا انتهاء السهرة هذه الليلة ،اما أنا فكنت أتمنى أن تطول السهرة أكثر من ذلك حتى اكتشف نهاية القصة فتعذر علي ذلك ،ولم أسمع رداً منه وأغلق الباب خلفي ثم أدلف إلى الداخل، وقد استند على الحائط وشهق بالبكاء، ذهب الى النافذة يمسح قطرات المطر منها وجدها واقفة خلف اللوح الزجاجي تلوح له بباقة ورد ومنديل أبيض.استدار إليها واستطاع أن يرى تفاصيل وجهها، وحين تسللت الشمس من بين أوراق الشجر، فجرا، وهو لازال ينظر إلى اللاشيء يحرق في السجائر كمن يأخذ ثأره بدون شفقة أو رحمة، واضعًا ساقيهِ ممتدة علي مقعدٍ ممسكًا في يده كوب الشاي الذي لا يكف طيلة اليوم واحدًا بعد الآخر كأنهم الضحايا تطحنهم الرحى،مساء زرته وجدته جالسا في حالة استرخاءٍ شديدة ومصوب نظره إلى رزمة من رسائلها البريدية ،بادرته بالتحية فاعتدل الرجل في جلسته وراح يصدر صوتًا مبحوحا يبدو ان المرض عاوده ، الاطباء حذروه من الافراط في التدخين لكنه لم يمتثل لهم ، وبدا الصمتُ والدخان يكبلانه، فرغم تدخينه منذ زمنٍ بعيد ولكني لم اشاهده على هذه الحالة ،اشعر بحرارة تنساب بين أنفاسه الدفينة، تنهدَا الرجل بطريقة عفوية ،حينها كان الضوء خلف النافذة يزحف رويدًا رويدًا، سيجارته لم تفارقه وهو لازال ممسكا بها بين اصابعه ينظر لها في دهشةٍ كأنه يمسكها لأول مرة

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

عبرة على بغداد بقلم الشاعر : محمد رشاد محمود

  عبرة على بغداد بقلم الشاعر : محمد رشاد محمود في العاشر من إبريل عام 2003 سكبتُ أبياتًا تحت عنوان “عبرةٌ على بغداد” وكان الجُرحُ لا يزالُ ي...