بقلم الأديب : عقيل هاشم..العراق
المناضل
صباح بطل الانتفاضة والشاهد على مجزرة الجسر ، ومع تباشير الصباح تكون
المواجهة على اشدها بين المتظاهرين العزل وحرس النظام بكامل عدتهم
الحربية، تقدم صباح نحو المترايس وقد وجد نفسه في تواجهٍ مباشر وعلى
مسافةٍ قريبة جدًاً من كتيبة الجيش يتقدمهم قائد الحرس المُخيف، يَنعته
الآخرون بـ“سيدي القائد“،رجل طويل مفتول الساعدين، شعره الرمادي يظهر تحت
البيرية وقد خالط بياضه ببضع شعرات سوداء، كان يقف منتصبا يمسك بيده ناظوره
الكبير وسط خلاء فسيح يُؤدّي إلى سلم صغير يخترق جانب الجسر الحديدي
،صباح يتخفى وسط الظلام ليجد نفسه وسط مساحاتٍ معشوشبة شاسعة تتخلّلها
تضاريس يصعب اختراقها ،القائد ذو العينين البرّاقتين يترك ناظوره جانبا ،
ويقبض على مكبر صوت ويصرخةبجنوده بساعة الصفر ، خطاب قاسي بنية تهديدٌ
بالبطش ،صباح القابع في الظلام وقد تملّكه خوفٌ شديد على ادرفاقه ، ولكنْ،
بعد دقيقة أو أقلّ، تبخّر ذلك الخوف ، فقد تبدّل شعوره إلى إحساس
بالمواجهة الساحقة وباي ثمن ، عيناه مُسمّرتان على جمع من العجلات العسكرية
المعدة لاسناد جنودهم ، على اماكن مرتفعة انتشر افرادا مدربة تدريبا جدا
من قناصة مهرة بانتظار الاوامر ،لتنفيذها وبالحال بقتل المتمردين ، احدهم
احس بوجود صباح وصوب ماسورة البندقية القناصة واطلق راسة اصابته اصابة
دقيقة في جنبه الايسر قرب القلب ثم قفز من مكانه وامسك به وقد أضحت عيناه
حمراوين كجمرتين ، ثمّ ركله بقوّة شديدة، فوجد نفسه ملقى على ظهره قرب
القائد اللعين لحظتَها ادرك نهايته عندما اوقفه احد الجنود ثم أسقط أرضاً،
بعدها حاول القائد استجوابه لاكنه كان فاقدا للوعي ، وفي مساء نفس اليوم
وصل صباح الى المعتقل، اجلسه المحقق على كرسي متهالك وتحت مصباح يصبّ على
رأسه سخونته الشّديدة ويكاد يُذيب مخّه، وحين حاول التلاعب باجابته قام
المحقق وأمسك صباح من قدميه وربطهما باحكام بحبل مفتول ورفعهما إلى أعلى
ليتعلق بمصراع مروحة سقفية تصر كلما دارت حوله ، بعدها افلت الحبل ليهوى
على الارض وليستقر على ظهره، يقفز هذا الأخير واقفاً قرب راسه وليصفعه عدّة
صفعات، بينما الظلال على الجدران تُعلن انتصارها وتطارد فلول الضوء .
المحقق
لم يكتف بذلك وراح يلوح في وجهه بالهراوة وهي تحلق مبتعدة ومقتربه منه في
الظلام، بعد ان اكتفى منه من ضرب موجع لا تحتمله الروح، وبالرغم من ذلك
استطاع صباح ان يخزن ماجرى له في ذاكرته وقد امتلأت مخيلته بمشاهد كثيرا ما
حاول طيها،ثم غلفها بكثير من الحرص،وقد تحمل المزيد من كلمات المحقق
واشارة الى تهديداه بالقسوة ووعيداً شديد بالموت الابدي ، مد يديه
مستنجداً بهما معاً إلا أن ألم الجانب الايسر حال بين يديه وبين
الوصول، اختلط عليه الحال للحظة وأذهله أن تهاجمه الظلال بينما هو مغلق
العينين، جاءته ركلة قاسية جعلت الجسد الممتد على الارض يتحرك بهزة عنيفة
ارتج الحبل المعلق بين الكفين انفتحت عيناه، وجد الظلال قد أعادت ترتيب
جيوشها بعدما أمنت سطوة الضوء، بدت الأشياء في الغرفة كائنات غير أليفة
تتأرجح في امتدادات داكنة، وبدت له تقاطعات الخطوط علي الحائط شواهدا من
قبور متجاورة، خارت قوته وهو يكظم غيظه ،تذكر يوم ولادته، وكيف
أخذته القابلة الماذونة فحممته وألبسته مايشبه الكفن، قماشا ابيضا
نظيفاً، وحملته على صدرها بعد ان ضمته بشده ، تحاول استكاته بينما هو
راح يصرخ وقد نطق بعد طول صمت ، ربما ادرك ان امه كلمته وقد فارقت الحياة
بعد ولادته، اغمض بصره وقد تجلت له أمه وسط ظلال الحائط تغادره بفستان
الزفاف الابيض والفضفاض، تودعه بينما النافذة تعلن انسحاب خيوط اخر
النهار الى عتمة .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق