الاثنين، 16 مارس 2026

البرفان: بقلم الأديب : عقيل هاشم..العراق

 

البرفان




بقلم الأديب : عقيل هاشم..العراق

الكاتبة سارة بعد ان فقدت زوجها الكاتب اليساري محمود في المعتقل ، اصبح تواجدها في المقهى بعد المساء تقليد يومي يذكرها به ،من بعيد تاتي على مهل ،تتنقل بين فاترينات محلات الاحذية والحقائب، تتفرّج على الموديلات ، ألوانها وأشكالها المختلفة، تستمتع بالنظر إليها مثلما يستمتع شخص بأىّ منظر جميل ،اقتربَتْ من شارع النهر وهي تعرف أن المقهى فى الانعطافة التالية، لا يمكنها أن تخطئ فى هذا، وجدَتْ نفسها فى شارع لم تره من قبل، وفى الوقت نفسه لا يبدو غريبًا، به شىء من روح المكان الذى تعرفه، ليس لديها مانع من ظهور شارع جديد، فكّرَتْ أنه يصل بها فى النهاية إلى المقهى القديم مشَتْ فيه، على الرصيف تنتشر كتب، صحف، باعة يبيعون أشياء من الماضي انتيكات كلها مُخصصة لذلك الزمن الجميل ، الزقاق إضاءته الداخلية الخافتة تُشكّل تجانسًا ضوئيًا يدعو إلى حالة من نعاس، ويطفو بها على جانبى الشارع، تصل المقهى المعهود ،الكراسي تراصّت بطريقة ليست مرتبة، بينما على الرصيف راحت تتوزّع مقاعد خشبية متقابلة، المقهى مكتضة بالزبائن وعلى الجانبين توزع اطفال يتسولون من المارة ، سارة اختارت الجلوس في الداخل، تَحَسّسْتُ طريقها إلى جوار نافذة المقهى ، نظَرْتُ عَبْرَ زجاجها، بينما الزبائن يتطلّعون إلى ظلال الاشجار العالية وهي تغرب بفعل الظلام الذى حلّ عليها، أخرجَتْ الأوراق من الحافظة، وضَعَتْها أمامها، ودون أن تفكر فى شىء محدد، جاء النادل، طلبَتْ قهوة ، نظرَتْ بجانب عينيها إلى الأوراق، أنهَتْ كتابة الاهداء مع آخر رشفة قهوة، طَوَتْ الصفحة الاولى ،فتحت النافذة انتبهْتُ إلى نور هادئ شعرْتُ أن هذا النور يستعيد مملكته الضائعة، مر نسيم منعش شعرْتُ به يداعب وجهها، فرت البلابل من اعشاشها حتى تلوّنَتْ السماء بالوان القرمزي الفاتح ، ظلت تتابعها باهتمام ، لمَعَت فى رأسها فكرة كتابة رواية حدثت لها فى أزمنة سابقة حين التقت بزوجها اول مرة ، محمود كان واقفًا بمنتصف الباص، تطلّعْتُ إليه لحظات حتى اعتادت عيناها العتمة ورأته بشكل كاف، عيناه مطفأتان، إحدى قدميه ممدودة إلى الأمام فى وضع المشى، يمسك بحقيبة جلدية مكتضة بالكتب والروايات ، شعرْتُ أنه يراها من خلف نظارته الطبية بوضوح رغم الظلام ، ابتسمَتْ عيناها له ،والى اليوم ظل يراودها هذا الشعور، الأمر الذي يحدث أحيانًا أن تشعر به بدون علم مسبق، فتشعر بمزيج من شجن وسرور غامض، وكأنني فى صحراء بلا نهاية، تأمّلْني هو من بعيد، فأقترب مني ولمس يدي بنية المصافحة والتعرف بي ، كان ملمسه، رائحته، ودرجة دفئه التى تمنحنى حالة من الطمأنينة ماجعلني اقترب منه بقوة ،كنت أعرف أنى سأقع فى غرامه ، كان لا يتكلم بل يُصوّب لى نظراته ،وصلنا المقهى ، وجلسنا نُكمل حديثنا ، وقد غبت عن الوعي ،ودون وعي راسي انحنى يميل قليلاً على كتفه، كانت هذه علامة على أشياء كثيرة،كنت افتقدها في حياتي ، عدت الى البيت بعد احتضنت اوراقي وسرت مسرعة الى مخدعي ، تمددت على السرير ،لكنى لم أكن لأنام فى كل الأحوال، لدىّ إحساس، أريد أن أتابع ما يحدث، إذا عاد لي ، كيف سالتقيه ، لا بد أن يكون فى انتظاري الان انا اعرف محمود ،شعرْتُ بعد قليل بأُلفة مع الظلام، وأنّا على يقين حضوره الان يزداد لحظة بعد أخرى، كأن حضوره أصبح حقيقية ، تماهيتُ مع الزمن اللامرئي، أتطلّع إلى الظلال من نافذتى، احسست نسمة عابرة تحط على النافذة مثل ريشة، ابتسمَتْ لها ، أظنه كان يحدّقُ عبْرَ زجاج النافذة، نظرَ إلي ، ناد علي بصوت منخفض، لم أنتبه، لمَسَ كتفي، التفتَت اليه ،مدّدتْ يدي خارج النافذة ولَمَسَتْه ، بدا لها الأمر لوهلة مثل معجزة. قلت ، ماذا لو أن الأمر حدث فعلا ، شمّتْ رائحة دافئة أعرفها ، انه برفانه الذي يعتز به، أتذكر اني اهديته له بعد حصوله على الماجستير ، أشعر بنفاذه الان ، سحبَتْ نفسًا عميقًا وكأنها تستدعيه من مكان بعيد، كانت تفاصيل تلك الليلة تمرّ فى ذاكرتها مثل طيف لا تريد ان تغادره ،مر سرب طيور ملونة ، اقترب من النافذة، طيور بأجنحة ذهبية، وبدأوا ينسحبون واحدًا بعد الآخر ، قلت ربما أن النهار قد حل مسرعا ، قال لي محمود النهار لن يأتى،تساءلْتُ، هل توقف الزمن ،ورحت أُفكّر أن تلك الطيور تحتفظ بأصواتنا، فما بيننا تكون علائق مشتركة، الارواح جنو مجنده ، هكذا نتداخل جميعًا فى بعضنا بعضًا دون أن نشعر، حالات نشعر بها، وبعمق، عندما نمرّ بطيف شخص تربطنا به علاقة خاصة، أو تتشابه روحه مع روحنا، تخيّلْتُ اوراق روايتي وهى تطير فى الهواء، يتنفّسها طيور وبشر، تلمس قلوبهم ، هل كنت لأتمنّى أجمل من ذلك، فكّرْتُ أن هذه الطيور السرمدية جاءت من أزمنة وعوالم مختلفة، رأيتهم بوضوح فى ضوء القمر، متلألئين، شعرْتُ بمتعة كبيرة ،تعجبت من مغادرتها بهذه العجلة ، يبدو ان الجميل فينا لن يبقى فى مكانه لوقت أطول من المعتاد أكتشفت الآن أن هذه الطيور تعيش معنا بل فينا وستعود حين تشتاق ، أدركْتُ تلك الحقيقة ، كأننا بالفعل نريد أن نقضى وقتًا أطول فى ذلك الوهم الغامض . محمود من بعيد ودعني وهو يحرّك يده مودعا وكأنه شراع فوق موجة هاربة .وقف يُحدّق فى الأفق ، كأنه ينظر إلى شىء مُذهل، تأمّلَته، نظرَتْ إلى الأفق حيث ينظر.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

عبرة على بغداد بقلم الشاعر : محمد رشاد محمود

  عبرة على بغداد بقلم الشاعر : محمد رشاد محمود في العاشر من إبريل عام 2003 سكبتُ أبياتًا تحت عنوان “عبرةٌ على بغداد” وكان الجُرحُ لا يزالُ ي...