بقلم الأديب :عقيل هاشم..العراق
استيقظ
سكان المدينة على تظاهرات قام بها منتفضين يحملون الاسلحة، يطالبون
باسقاط النظام ، ملثمون يصعب التكهن بمرادهم من قطع الطرق واغلاق المحال ،
الشوارع تعج بالغبار والازبال والقطط والكلاب الليلية ، أسئلة كثيرة
لم يجد لها السكان أجوبة ،المدينة رغم اكتظاظها الخانق وحركتها الدؤوبة
ايام زمان ، اليوم لايكاد يرى احدا يسير فيها ، الوضع الامني مشوبا بالحيطة
والحذر. اللصوص غير مكترثين بحرمة السرقة ومتعة التلذذ بذلك الإحساس
وبنشوة الفوضى ، بالمقابل من ذلك ينجلي الخوف الرهيب واضحا يطل من أعينهم
المنكسرة. ،هؤلاء اخر الليل يهرعون إلى الاستيلاء على أثاث الدوائر
الحكومية والمصارف ، و لا أحد يتجرأ أمامهم على الحديث عن ذلك قبل أن
يستبد العنف و تقع الكارثة، إلا أنهم أصروا على موقفهم ، المنتفضون يحررون
السجناء من المعتقلات ، ويرفعون شعارات النصر لحركتهم ، في الطرقات تظهر
الطبيبة ليلى رستم المتهمة بمعارضة النظام ، بملابس السجن منكفئةً في
زاوية مظلمة من زوايا الشارع ، وجهها ملطَّخ بالاوحال والدخان ، شعرها
متسخ تماما وملابسها تعج منها رائحة قذرة ، شاردٌة تنبش جسدها فتثير رائحة
عطنة ، عينيها متورمتيْن من اثر البكاء والسهر ،تعالت الشمس صباحا ،
واحترَّتْ المسكينة ليلى رستم بالصهد والضياء وهمَّت الى عربات الاكلات
السريعة يدفعها الجوع، وقفت امام كشك صغير للاكلات السريعة تطلب كسرة خبز ،
يسالها البائع عن حاجتها ، ابتسمت، بالتماعةِ عينيها لا غير، ابتسامةً
صُغرى. واشارت الى قطعة من الخبز البائع هُيِّئَ لها ماتريد . التقطتها
وعيناها شاردتان تنشد مقاطع طويلة من مسرحية هاملت لكاتبها شكسبير
وباللغة الاصلية وبطلاقة انتبه لها الزبائن ، باستغراب ملفت وهي تُسمِعُهم
يلقون عليها المزيد من المديح . رشفَت مافي قناني الكولا المهملة بغلاظةٍ
وهبَّت من فورِهِا لترك المكان ، همت بالانصراف مهرولة ،تمطَّتْ مثل قطةٍ
وحجلتْ ومشيتْ الى مخدعها.وقد دهمها إنهاكٌ ودوارٌ ورغبةٌ في الرقاد ، ويوم
استعاد النظام سيطرته على المنتفضين ، جنود الأمن ظل يطاردون جموع
المنتفضون بالرصاص الحي، وكنت وقتها قد تجاوزت ساحة الحبوبي سائرا باتجاه
النهر ، سرت بجسدي قشعريرة، وحرت كيف أفعل، للعبور باتجاه الضفة الاخرى
وانا احمل ماتيسر من الطعام والمؤن لعائلتي ، سحبت قدمي وراء بعض الناس،
بدأوا يدلفون إلى احدي حارات الشارع الجانبية خشية الاصابة بالرصاص .وقفت
لاهثا أحاول عب أكبر قدر مستطاع من الهواء، وقد تشبع بدخان القنابل التي
واصل الجنود إلقاءها بحماس نحونا ، تملكني حزن غريب وغضب، ربما لهذا العنف
الذي لم أشهده منذ زمن ، لكني حسمت أمري وقررت الخروج إلى النهر وعبوره
بمركب صغير ، فأنا لا أطيق البقاء يوما كاملا بعيدا عن البيت، في الضفة
الاخرى ،اطمئن قلبي ،كنت قد هدأت قليلا، لكن حالة الضيق والقرف والغم ظلت
تعتريني ،وانا ارى حالات غير انسانية على الطريق صدمت عيني، الجنود
بخوذاتهم الحديدية وملابسهم المرقطة ، وهم ينصبون السيطرات ،لاعتقال كل من
يشكون به ، كانت معنا في الحجز سيدة رغم كبرها والشيب المهيمن على جديلة
شعرها ، ووهن جسدها الواضح وبطء حركتها.تصرخ بالحرس باخلاء سبيلنا فورا ،
فامتثل لها الجنود بعد ان اطلق سراحنا ،هرولت وجمع من الموقوفين خارج اسوار
الاسلاك الشائكة ، وكان علينا أن نغادر المكان الى البيت مرة أخرى ، فلم
يعد ممكنا بعد اليوم ومهما كلف الامر الخروج بعيدا عن البيت ، سرت بهمة
وقد أعلنت الشمس الظهيرة، والعائلة ظلت تنتظرني بحزن ، الانباء الحكومية
تشير الى هروب الملثمين وقتل البعض منهم ، والقاء القبض على اخرين ، وفي
اليوم التالي استفاق المارة على نهنهات الطبيبة ليلى رستم تحت الجسر وهي
تنشج انفاسها الاخيرة ، نهاية الطريق السريع ، وقفنا على راسها ،لاحت شاحبة
الوجنتيْن، متورِّمةً، بلا مراء، بجسدُها المسجى وبلا حراك وقد انهمدت في
حفرة مبلولة مُلقاة على ظهرها ، رأسها جريح وعنقها موثقة بشال قديم ،وقد
اثقلتها ركلات على بطنها ،الى جوارها استقرت كتبها المفضل مسرحية هاملت
،وقد بعثرت الرياح بعض من اوراقه ،شبت نيران بداخلي، قمت من مكاني، أسارع
الخطي وراء الاوراق التي تناثرت من دفتي الكتاب،ورحت أفتش عنها بين صفحات
الماء ، لكنها كانت قد اختفت تماما، ركضت أخطف موجات النهر خطفا، حتي وصلت
إلى منتصفه ، لمحت ليلى رستم كانت تسير قرب نهايته بصحبة رجل يحوط بساعده
خصرها، خيل إلي في ظل الإضاءة الخفيفة الشاحبة أن له قامة شكسبير وشعره
الداكن المسترسل قليلا علي قفاه، فكرت أن أناديه أو أصرخ كي استوقفهما ،
لكني ظللت متسمرة في مكاني، استجدي ان تدير ظهرها لي
،لحظتها تساقط المطرُ رذاذاً مثل ندى وظهرت السماء مظلمةً حين تراءى قوس قزح ينتشر عالياً وسط الأنجم ويتضوأ مثل شريطٍ زاه.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق