لم اكن اعلم ان الرحلات التي نخطط لها بالعقل تخبئ في طريقها قدرا يكتب بالقلب
سافرت الى فرنسا مثقلا بالعمل احمل في حقيبتي اوراقا واجتماعات واحمل في صدري فراغا لا يملؤه شيء
كنت امشي في شارع الشانزلزيه بين الاضواء والوجوه الغريبة وكأنني اعبر مدينة لا تعبرني
كل شيء هناك كان جميلا لكنه لم يكن يعني لي شيئا
حتى تلك اللحظة التي توقفت فيها الحياة فجأة
حين رأيتها
كانت تقف هناك كما لو ان الزمن نسي ان يمضي معها
لكن عينيها كانتا تحملان عشر سنوات من الغياب
نظرت الي ولم تنطق
ثم انهارت باكية وكأنها كانت تؤجل هذا البكاء منذ دهور
اقتربت منها وقلبي يرتجف كطفل وجد امه بعد ضياع
حاولت ان اسندها ان اعيدها الى وعيها بينما العيون من حولنا تراقب صمتنا المكسور
كنت اناديها باسمها الذي لم يغادرني يوما
وكأن اسمي خرج من بين شفتيها وهي بين الغياب والحضور
وعندما استعادت شيئا من وعيها نظرت الي طويلا
ثم ضحكت وبكت في آن واحد
ضحكة تحمل دهشة اللقاء وبكاء يحمل وجع السنوات
قالت لي بصوت متعب انت كما انت لم تتغير
اما انا فكنت اراها بكل ما تغير فيها وبكل ما بقي منها
كانت اكبر قليلا نعم
لكنها كانت اجمل لان الحنين اضاف الى ملامحها عمقا لا يراه الا من احب
جلسنا في مقهى قريب من برج ايفل
والوقت هناك لم يكن يقاس بالساعات بل بما يتساقط من قلوبنا من كلمات
تحدثنا كثيرا وكأننا نحاول ان نعيد كتابة تلك السنوات الضائعة
سألتها عن حياتها فاخبرتني عن بيتها وعن اولادها وعن تفاصيل لم اكن جزءا منها
كنت استمع وابتسم وفي داخلي شيء ينكسر بصمت
وهي كانت تنظر الي وكأنها تبحث عن شيء تعرفه في وجهي
ضحكنا كثيرا
وبكينا اكثر مما ينبغي
استعدنا ذكريات كانت تسكننا اكثر مما نسكنها
وتحدثنا عن اشياء لم نقلها في وقتها وكأننا نحاول ان نصحح ماضيا لا يعود
كان اللقاء يشبه حلما جميلا يخاف صاحبه من الاستيقاظ
ثم فجأة وقفت وقالت لقد تأخرت
كان في صوتها استعجال وفي عينيها رجاء خفي ان لا ينتهي كل شيء
قالت يجب ان نظل على اتصال كاصدقاء
حتى نعرف اخبار بعضنا
كاصدقاء فقط
كلمة بسيطة لكنها كانت اثقل من كل ما قيل
ودعتها هناك
عند نفس المدينة التي جمعتنا صدفة وفرقتنا قدرا
كانت تمشي مبتعدة وانا واقف كأن جذوري نبتت في ذلك المكان
لم التفت اليها
او ربما لم استطع
لانني كنت اعرف ان الالتفات يعني انني لن اتركها تمضي
عدت الى طريقي
لكنني لم اعد كما كنت
تركت شيئا مني هناك
في شارع الشانزلزيه
في تلك اللحظة
في تلك الدموع التي لم تجف
وجدتها في باريس
لكنني فقدتها مرة اخرى
وهذه المرة
كان الفراق اكثر هدوءا
واشد وجعا
بقلم : جمال الشلالدة

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق