الاثنين، 18 مايو 2026

دفتر أبي القديم بقلم الأديبة : عبير جلال . الاسكندرية

 

دفتر أبي القديم



بقلم الأديبة : عبير جلال . الاسكندرية

في ليلةٍ دافئة من ليالي الشتاء الباردة،
وفي مساءٍ هادئٍ يخترقه صوت تساقط المطر على زجاج نافذتي،
جلستُ بجوارها أرتشف فنجان قهوتي، أختلس النظر إلى السماء، وأراقب النجوم في صمت…
فجأة، تردد صوت أبي في أذني.
نظرتُ حولي أبحث عنه، لكنني لم أجده.
جال الحنين في صدري إليه، فقد تركني ورحل منذ وقتٍ ليس ببعيد.
وقعت عيناي على خزانة أبي القديمة،
تلك الخزانة التي لم أقترب منها قط،
حتى بعد رحيله لم أستطع فتحها،
لرفضي فكرة غيابه، وكأن قلبي كان يرفض الاعتراف بأنه رحل حقًا.
استجمعتُ قوتي، وهممتُ بفتحها…
فإذا بعطر أبي يفوح في الأرجاء.
انهمرت دموعي في صمتٍ موجع،
فقد ظلت تلك الخزانة مغلقة منذ رحيله، وكأن الزمن توقف عند آخر لمسةٍ له.
ارتعشت يداي وأنا أفتحها،
مررت أصابعي فوق ستراته المعلقة بعناية،
احتضنتها إلى صدري، كأنني أعتصر شوقي وحنيني إليه بين ذراعي.
انتشر عطره في أرجاء الغرفة،
ذلك الرجل الذي كان يومًا عماد البيت وسنده.
توقفت طويلًا أمام ساعته القديمة،
ومن العجيب أنها ما زالت تعدّ الساعات رغم غياب صاحبها،
وكأن الزمن لم يجرؤ على لمسها.
وذلك القلم الذي كان يحمله دائمًا في جيبه،
لا يفارقه أبدًا،
يكتب به ملاحظاته، ويسجل حساباته، ويدون خواطره التي كان يخفيها عن الجميع.
فقد كان أبي رجلًا مثقفًا، راجح العقل، قويم اللسان.
حتى صوته…
شعرتُ به ينبعث من بين تلك الأشياء،
وكأنه ما زال يختبئ داخل الخزانة.
جلستُ على الأرض منهكة، أبكي في صمت،
أبتلع دموعي بكل ما تبقى داخلي من قوة،
وأغمضت عيني بينما تبعثرت الذكريات في رأسي.
وفجأة…
أفقت على صوت سقوط صندوقٍ خشبي صغير من أعلى الخزانة.
نظرتُ إليه بدهشة،
ارتجف قلبي، وارتعشت يداي حين فتحته…
وجدت بداخله صورًا قديمة لي ولإخوتي في مراحل عمرنا المختلفة،
كان يحتفظ بها بعناية داخل مظروف كتب عليه بخطه الرقيق:
“أولادي… سندي وعزوتي.”
وجدت أيضًا أوراقًا قديمة،
ودفترًا جلديًا أثقلته السنوات بما خُبئ داخله من كلمات.
كان ذلك… دفتر أبي القديم.
حملته بكل رقة،
قبلته، وضممته إلى صدري،
كأنني أضم قلبه إليّ.
ترددت كثيرًا قبل أن أفتحه،
شعرتُ أنني أقف أمام جزءٍ مقدس من روحه،
لكن الفضول والاشتياق تسللا إلى قلبي، وكانا أقوى من خوفي.
فتحت الصفحة الأولى…
كان خطه كما أذكره تمامًا،
هادئًا… مرتبًا… دافئًا بروحه.
قرأت أول سطر، فاختنق صوتي بدموعي:
“أخشى أن أكبر سريعًا قبل أن أحقق آمال أولادي…
فالرجال لا يُسمح لهم بالتعب.”
تجمدت عيناي فوق الكلمات،
وانهارت دموعي بصمت.
لأول مرة أدرك أن أبي
لم يكن ذلك الجبل الصلب الذي رأيته دائمًا أمامي،
بل كان إنسانًا يخفي داخله خوفًا كبيرًا،
يخشى الانكسار والتعب،
لكنه كان يخبئ كل ذلك خلف ابتسامته الهادئة.
قلبت الصفحات ببطء…
فوجدت يومياتٍ لم أكن أعرف عنها شيئًا،
حديثًا عن أمي، وخوفه عليها من المرض،
وخوفه علينا من قسوة الأيام،
وقلقه من المستقبل وما تخبئه الحياة لنا.
حتى أحلامه الصغيرة التي تحققت، كتبها بخطٍ واضحٍ مليءٍ بالفخر،
أما أحلامه التي لم تتحقق، فكتبها بحبرٍ باهت،
وكأنه كان يعلم أن الحياة لن تمهله الوقت الكافي ليعانقها.
وفي إحدى الصفحات كتب:
“أكثر ما يؤلمني…
أن يظن أولادي أنني لا أبكي،
أو أنني لا أخفي حزنًا كبيرًا بداخلي خوفًا عليهم.”
عندها انهرت…
وبكيت كما لم أبكِ من قبل.
شعرتُ أنني لم أعرف أبي حقًا إلا بعد رحيله،
وكأن الموت لم يأخذه مني،
بل أخفى مشاعره فقط.
أغلقت الدفتر وضممته إلى صدري،
ثم نظرت نحو صورته المعلقة على الحائط،
نظرةً يشتعل فيها الحنين.
واكتشفت متأخرة…
أن الآباء لا يرحلون حين يموتون،
بل تظل أرواحهم عالقة في تفاصيل البيوت،
في الأدراج القديمة،
وفي رائحة الأوراق،
وفي قلوب أبنائهم إلى الأبد.
ليتك لم ترحل يا أبي…
فإنني أعتذر لك.
لم أُقدّر قيمتك كما ينبغي.
المعذرة يا جبلي الصلب…
 بقلم: عبير جلال
الإسكندرية
15 / 5 / 2026

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

عبرة على بغداد بقلم الشاعر : محمد رشاد محمود

  عبرة على بغداد بقلم الشاعر : محمد رشاد محمود في العاشر من إبريل عام 2003 سكبتُ أبياتًا تحت عنوان “عبرةٌ على بغداد” وكان الجُرحُ لا يزالُ ي...