ليسوا ظلالًا باهتةً في آخر الطريق
ولا أوراقًا صفراء سقطت من شجرة العمر
بل هم الجذور العميقة التي ثبتت الأرض
حين كانت الرياح تعصف بالبدايات
هم الذين حملوا على أكتافهم تعب السنين
وصنعوا من عرقهم جسورًا نعبرها اليوم آمنين
وزرعوا في قلوبنا القيم قبل أن نعرف أسماءها،
وغرسوا في أرواحنا معنى الصبر قبل أن نتعلّمه من الكتب
كبار السن حكايات تمشي على قدمين
ذاكرة وطنٍ لا تُختصر في سطور
وصوت زمنٍ جميلٍ
كان الناس فيه يتكئون على المحبة
أكثر مما يتكئون على الجدران
لكن عجلة الحياة تسارعت
وضاقت البيوت بأهلها
وانشغلت القلوب بما في الشاشات
عن الوجوه التي تنتظر كلمةً حانية
صار بعضهم يجلس قرب النافذة
يعدّ السيارات بدل الأحلام
ويراقب الغروب
كأنه يودّع شيئًا لا يعرف كيف يمسكه
في عيونهم بقايا حديثٍ لم يُستكمل
وفي أيديهم رعشة تعبٍ طويل
وفي صدورهم شوقٌ
لجلسةٍ بسيطة
تُشعرهم أنهم ما زالوا جزءًا من الحكاية
الرعاية ليست طعامًا ودواءً فحسب
ولا سريرًا نظيفًا في غرفةٍ هادئة
الرعاية قلبٌ يصغي
ويدٌ تمسك اليد دون استعجال
وكلمة “نحتاجك”
تُعيد إلى الروح دفئها القديم
أما الإهمال
فليس صراخًا دائمًا
بل صمتٌ بارد
ونظرة انشغال
ووعدٌ مؤجَّلٌ لا يأتي
الإهمال أن يشعر الكبير
أنه زائدٌ عن الحاجة
أن يُحاصَر بعبارة
“لقد انتهى دورك”
كأن العمر يُقاس بالعطاء المادي
لا بالخبرة والحكمة والذكرى
ما أقسى أن يشيخ الإنسان
في بيتٍ كان يومًا صوته الأعلى فيه
ثم يصبح ضيفًا على تفاصيله
يستأذن قبل أن يتكلم
ويبتسم ليخفي وجع الوحدة
إن الأمم التي تكرم كبارها
إنما تكرم تاريخها
وتصون جذورها من الجفاف
وتُعلّم أبناءها درس الوفاء
دون خطبةٍ أو كتاب
وكيف نطلب من أطفالنا الرحمة
إذا لم يروا في بيوتنا مثالها؟
وكيف نرجو مستقبلًا أكثر إنسانية
إذا كان حاضرنا يضيق بمن صنعوه؟
كبار السن ليسوا عبئًا
بل بركةٌ تمشي بيننا
دعاؤهم ستر
وحكمتهم نور
وابتسامتهم الخجولة
شهادة على أن القلب
يبقى شابًا
وإن أثقله الزمن
فلنقترب منهم أكثر
لنصغِ إلى قصصهم
كما نصغي إلى أغنيةٍ قديمةٍ نحبها
ولنمنحهم من وقتنا
كما منحونا أعمارهم
فيوْمًا ما
سنمشي على الدرب نفسه
وننتظر عند النافذة ذاتها
ونرجو من يأتي
ليقول لنا برفق:
أنتم البداية…
ولستم النهاية
بقلم : جمال الشلالدة






