الاثنين، 15 يونيو 2026

يتيم الحب بقلم الشاعرة : عبير جلال . الإسكندرية

 

يتيم الحب



بقلم الشاعرة : عبير جلال . الإسكندرية

ذلك اليُتم المفتقد لتفاصيل الحياة...
ليس ذلك اليُتم الذي ينتج عن فقد الأب أو الأم، فذلك نوع من أنواع اليُتم يعرفه الجميع، أما هذا فهو يُتم من نوع آخر؛ يُتم الحب والاحتواء. ذلك الشعور الذي لا تراه العيون، ولا يُكتب على الأوراق، ولا يشعر به إلا من اكتوى بناره.
تعلقت بهم، وأعطيتهم كل حناني، وكنت لهم مرفأ الأمان من قسوة الحياة. كانت أحاديثهم بالنسبة لي روحًا تسري في جسدي، وكنت أنا لهم نافذة لأحلامهم. شاركتهم أفراحهم وضحكاتهم وأحاديثهم، وكنت أحاول أن أشعر بدفئهم، لكنهم كانوا يبتعدون عني آلاف الأميال.
عشت معهم أيامهم، بينما كنت وحيدة تسكن الغربة قلبي. كنت أحتاجهم بجانبي، فلو غابوا غابت شمس الحياة، ومع ذلك كنت أشعر أنني يتيمة الحب، أعطي كل ما أملك دون مقابل، ولكن لا حياة لمن تنادي. فلا عاطفة، ولا دفء، ولا حتى كلمة تجبر خاطر من كان الإخلاص عنوان حياته.
فيتيم الحب ليس فقيرًا إلى المال، ولا محرومًا من رفقة من حوله، بل هو محروم من تبادل العاطفة، من ذلك الشعور الدافئ الذي يجعل الإنسان مطمئنًا إلى أن من حوله يفهمه، ويشعر به، ويتجاوب معه، ويربت على كتفه، ويمسح دموعه.
رأيت من حولي حلمًا جميلًا، فودعتهم ودموع عيني تبكي فراقهم وهم معي. رجوت دموعي أن تتوقف، لكنني أدركت أنني أبكي من ألم الحنين إليهم وهم ما زالوا حولي.
لقد أخفيت أوجاعي خلف ابتسامتي الهادئة، حتى ظن من حولي أنني بخير، بينما كان بداخلي بركان من الحزن، وجبال من الخذلان وخيبة الأمل.
يتيم الحب هو من يتذكر من حوله، وينساه الجميع. يعيش تفاصيلهم الصغيرة، بينما لا يجد من يسأل عنه أو يهتم بأمره. أشعر دائمًا بغيابهم وهم يسكنون حنايا قلبي.
كنت أصدق إحساسي بهم، فإذا بهم يرحلون دون أن يتركوا أثرًا إلا في الروح. رحلوا وهم يسكنون حنايا القلب، وبقي الشوق إليهم يحرق مهجتي. هجروا حياتي كهجرة السحاب للسماء، فلم تعد النجوم تضيء ليلي، ولم يعد يصاحبني القمر،،وأصبحت حياتي أكثر ظلمة ووحدة.
ما أقسى أن أطرق أبواب قلوب أحببتها بصدق، فلا أجد فيها مأوى من قسوة الحياة.
قد يتعب الجسد فيطلب الراحة، وقد يمرض ثم يتعافى، ولكن القلب حين يفتقد الحب الصادق يذبل في صمت، وتزحف إليه الشيخوخة قبل أوانها، ويحمل أوجاعًا لا تظهر ملامحها، ولا يسمع أنينها إلا الله.
ولعل أكثر ما يؤلم يتيم الحب أنه لا يطلب الكثير، ولا ينتظر المستحيل. كل ما يتمناه قلب يطمئن إليه، يشعر به، ويحتويه حين ينكسر، ويد تمتد إليه عند التعثر، وشخص يربت على كتفه ويخبره أنه ليس وحده في هذه الحياة.
فالحب الحقيقي ليس كلمات منمقة تُقال ثم تنتهي عند اللقاء، ولا وعودًا سخية لا تجد طريقها إلى التنفيذ.
الحب وفاء عند الغياب، ورحمة عند الخطأ، واحتواء في لحظات الاحتياج.
وبرغم المواجع وكثرة الصدمات، ما زلت أبكي في صمت على رحيل أحبتي. فقد أخلصت لهم وأخلصوا لي يومًا، وما زلت أفتقدهم بشدة، وأشتاق إلى لقاء يجمعني بهم من جديد، وأشتاق إلى عناقهم وقلوبهم@ تحنو على قلبي المتعب.
كم من البشر عاشوا يبحثون عن هذا الحب، يطرقون أبواب الحياة بحثًا عن قلب يشعرهم بالأمان والدفء، ويبحثون عن أرواح تشبه أرواحهم، لكنهم اصطدموا بخيبة الأمل والخذلان، فاعتادوا الصمت رغم حاجتهم العميقة لمن يشعر بهم.
ومع ذلك، يبقى في أعماق يتيم الحب شعاع أمل لا ينطفئ، وإيمان بأن في هذه الحياة قلوبًا نقية لم يلتق بها بعد، وأن الله قادر على أن يعوض سنوات الجفاف بقلب يسكنه الرحمة والحنان والسكينة.
فليس كل من ذاق يُتم الحب كُتب عليه أن يبقى أسيره، وليس كل من حُرم من الحب حُرم من الأمل، وليس كل من تألم أصبح سجين آلامه.
أما أنا، فأشعر أن مع إشراقة كل شمس جديدة، قد يأتي الحب الذي طال انتظاره، ليسكن الروح التي بحثت عنه طويلًا، فيصبح لها وطنًا وسكنًا.
لذلك أقول:
ليس الحب بكثرة الناس من حولنا، بل بقلوب تشعر بسعادة الآخرين، وتفرح لفرحهم، وتحزن لحزنهم.
لذلك يظل يتيم الحب فقيرًا مهما امتلك، إذا افتقد الحب الصادق.
فصدق المشاعر هو مفتاح الحب... ومفتاح الحياة.

بقلم: عبير جلال الإسكندرية ١٤/٦/٢٠٢٦

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

على شواطئ الراحلين بقلم الشاعر : محمد أبوجريدة

  على شواطئ الراحلين  بقلم الشاعر : محمد أبوجريدة إِذَا حَلَّ اللَّيْلُ وَرَدْتُ عَلَى بُحُورِ اللَّهْفَةِ مِنْ تِلْكَ الدُّرُوبِ رَغْمَ ال...